الظالم ، وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام والإشعار بما به يغره الشيطان فإنه يقول له : افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحدا أو لا يعاجل بالعقوبة . والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الانهماك في عصيانه اغترارا بكرمه .
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
( 7 ) صفة ثانية مقررة للربوبية مبينة للكرم منبهة على أن من قدر على ذلك أولا قدر عليه ثانيا . والتسوية جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها والتعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء ،
شرح
الاغترار بكرمه تعالى وجوده مما يدعو إلى الاغترار به لأن الكرم والجود عبارة عن قضاء حاجة المحتاج لا للعوض ، فلما لم يكن الكريم مستعيضا بما عنده استوى عنده طاعة المطيع وعصيان المسئ وهذا يوجب الاغترار به . وقد روي أن عليا رضي اللّه عنه دعا غلامه مرات فلم يجبه ، فنظر فإذا هو بالباب فقال له : لم لم تجبني ؟ فقال : لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك . فاستحسن جوابه وأعتقه . ولولا أن كرم الكريم يوجب الاغترار به لما استحسن جواب الغلام . وتقرير الجواب : أنّا لا نسلم أن كرم الكريم يقتضي الاغترار به بل هو يقتضي الخوف والحذر من مخالفته وعصيانه من حيث إن إهمال الظالم يأبى كونه كريما بالنسبة إلى المظلوم ، وكذا التسوية بين المطيع والعاصي ، وبين الموالي والمعادي فثبت أن محض الكرم لا يقتضي الاغترار به ، فكيف إذا انضم إليه وصف كونه قهارا منتقما ذا بطش شديد ؟
ثم أشار إلى فائدتين أخريين لذكر الكريم فقال : والإشعار بما به يغره الشيطان وقال ثانيا :
والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته . فإن كل واحد منهما معطوف على قوله : « للمبالغة » فكأنه قيل : أيها العاصي كيف تتجرأ على معصيته مع أن كرمه يستدعي أن لا يسوّي بين المطيع والعاصي ؟ ولم تغتر بما به يغرك الشيطان من كثرة كرمه مع أنها تستدعي الجد في الطاعة قضاء لحق شكره على كرمه ؟ وفيه إشارة إلى أن سبب اغترار بني آدم تسويل الشيطان بقوله : افعل ما شئت فإن ربك كريم . ثم إنه تعالى لما وصف نفسه بالربوبية والكرم أتبعه بقوله :الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَليكون كالدليل على ربوبيته وكرمه ، ودلالته على الربوبية ظاهرة لأن من فعل هذه الأمور الثلاثة في المخلوق لا جرم يكون ربا مالكا له ، وكذا دلالته على الكرم لأنه لا شك أن أصل الخلق والإيجاد كرم وجود لأن الوجود محض كرم ، وكذا تسوية الأعضاء وتعديل البنية فإن سلامة الأعضاء كونها مسواة أي تامة الخلق سالمة عن النقصان في خلقتها بحيث يكون الشخص بها بشرا سويا تام الخلق سليم الأعضاء . انتهى . قوله : ( والتعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء ) الظاهر أنه أراد باعتدال البنية اعتدال كيفياتها المتضادة لكون كل واحدة منها منكسرة بحصول الفعل والانفعال بينها . وبتناسب الأعضاء كون كل عضو منها معادلا للآخر لئلا يتفاوت بعضها عن بعض ،