عليه الصلاة والسّلام :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي
[ المائدة : 116 ] وقرىء « سألت » أي خاصمت عن نفسها وإنما قيل : « قتلت » على الإخبار عنها . وقرىء « قتلت » على الحكاية .
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
( 10 ) يعني صحف الأعمال فإنها تطوى عند الموت وتنشر وقت الحساب . وقيل : نشرت فرقت بين أصحابها . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالتشديد للمبالغة في النشر ، أو لكثرة الصحف ، أو لشدة التطاير .
وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ
( 11 ) قلعت وأزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة . وقرىء « قشطت »
شرح
أن يسأل الوائد عن قتله إياها ؟ وتقرير الجواب أن هذه الطريقة أفظع في ظهور جناية الوائد وإلزام الحجة عليه ، فإنه إذا قيل للموؤودة : إن القتل لا يجوز إلا بذنب عظيم فما ذنبك وبأي ذنب قتلت ؟ فلا جرم كان جوابها : أني قتلت بغير ذنب ، فيفتضح الوائد ويصير مبهوتا .
وهذا كقوله تعالى لعيسى ابن مريم :أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ[ المائدة : 116 ] فإنه عليه الصلاة والسّلام لما أجاب بقوله :سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ[ المائدة : 116 ، 117 ] كان ذلك أشد في تبكيت النصارى وفي توبيخهم . قوله : ( وقرىء سألت ) أي بفتح السين والهمزة على لفظ الماضي المبني للفاعل المسند إلى ضمير الواحدة الغائبة على أن الموؤودة هي السائلة تسأل اللّه تعالى ، أو تسأل قاتلها قائلة :بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْبضم تاء المتكلم وحده فإنه هو المناسب لكون الموؤودة هي السائلة ، لأن الظاهر أن يحكى كلامها بعبارتها . وهذه القراءة ذكرها المصنف بقوله : « وقرىء قتلت على الحكاية » أي على حكاية قول الموؤودة كما مر أي بعبارتها حين سألت . وقرىء أيضا « سألت بأي ذنب قتلت » على لفظ الإخبار عن الواحدة الغائبة على بناء المفعول كقراءة الجمهور . والظاهر أن يقرأ « قتلت » على لفظ حكاية قول الموؤودة كما مر لأنها هي السائلة ، كما أن الظاهر على قراءة الجمهور أن يقال :
« قتلت » على لفظ خطاب الواحدة لأن السائل حينئذ هو اللّه تعالى ، فالظاهر حينئذ أن يحكي قوله تعالى بعبارته . ولما ذكرت الموؤودة بالاسم الظاهر جاز الأمر أن إسناد الفعل إلى ضمير الغائب الذي هو عبارة عنها وحكاية قول السائل بعبارته بأن يقال في قراءة « سألت » قتلت بضم التاء ، وفي قراءة « سئلت » قتلت بكسر التاء . قوله : ( وتنشر وقت الحساب ) أي تفتح بعد ما كانت مطوية فتعطاها الناس منشورة بأيمانهم وشمائلهم فيقف الإنسان على ما فيها ويحصى عليه جميع أعماله فيقول :ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها[ الكهف : 49 ] . قوله : ( للمبالغة في النشر الخ ) يعني أن التشديد لتكثير الفعل وتكريره ، أو لتكثير محله ، أو للمبالغة في شدة التطاير أي تطاير الصحف وتفريقها بين الأصحاب .
فالتشديد للمبالغة في النشر بمعنى التفريق بحسب الكيفية . انتهى . قوله : ( قلعت وأزليت )