فإنه قاله عن اللّه تعالى .
ذِي قُوَّةٍ
كقوله تعالى :
شَدِيدُ الْقُوى
[ النجم : 5 ]
عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
( 20 ) عند اللّه ذي مكانة
مُطاعٍ
في ملائكته
ثَمَّ أَمِينٍ
( 21 ) على الوحي . و « ثم » يحتمل اتصاله بما قبله وبما بعده . وقرىء « ثم » تعظيما للأمانة وتفصيلا لها على سائر الصفات .
شرح
ثم اشتق منه تنفس بمعنى أقبل النسيم مع طلوعه . ثم لما كان التنفس من لوازم ذهاب ظلمة الليل بطلوع الصبح وزوال غبرته كني بتنفسه عن طلوعه وانبساط ضوئه بحيث زالت معه عسعسة الليل وهي الغبرة الحاصلة في آخره ، وهي كناية متفرعة على الاستعارة . والغبرة لون الأغبر وهو الشيء الملون بلون يشبه الغبار . وأضاء يجيء لازما ومتعديا وكلاهما يصح ههنا .
وفي بعض النسخ : إذا تنفس أي إذا أضاء عبّر به عن إقبال روح ونسيم ، والمعنى واحد أي شبه إقبال النسيم وقت طلوع الصبح بتنفسه فعبّر عنه بالتنفس ثم اشتق منه تنفس وجعل تنفسه كناية عن إضاءته كما أشار إليه فقوله : « أي إذا أضاء » .
قوله : ( فإنه قاله عن اللّه تعالى ) يعني أن كون القرآن قول جبريل عليه السّلام لا ينافي كونه كلام اللّه تعالى حقيقة لأنه عليه السّلام قاله وبلغه عن اللّه تعالى . واعلم أنه تعالى وصف جبريل عليه السّلام ههنا بست صفات : أولاها أنه رسول فإنه لا شك أنه رسول منه تعالى إلى الأنبياء عليهم السّلام . وثانيتها أنه كريم على ربه حيث جعله أمين وحيه وواسطة بينه وبين رسله وهذا من أجل المناصب وأشرف المراتب ، ومن كرمه أنه وسيلة لنيل أفضل العطايا وأقصى الكرامات وهو المعرفة والهداية . وثالثتها أنه ذو قوة أي ذو قدرة على ما يكلف به لا يعجز ولا يضعف عن شيء مما يكلف به . روي أنه عليه الصلاة والسّلام قال لجبريل : « ذكر اللّه تعالى قوتك وأمانتك وأثنى عليك بهما فما كانت قوتك وما كانت أمانتك » قال : أما قوتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري ، فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء الدنيا أصوات الدجاج ونبيح الكلاب ، ثم هويت بهن فقلبتهن . وأما أمانتي فإني لم أؤمر بشيء فعدوته إلى غيره . وروي أن شيطانا يقال له الأبيض صاحب الأنبياء قصد أن يتعرض للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدفعه جبريل دفعة دقيقة رفعه بها من مكة إلى أقصى الهند . ورابعتها قوله تعالى في حقه :عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍأي ذي منزلة ومكانة عند اللّه ، ومن مكانته عنده تعالى أنه تعالى جعله تالي نفسه في قوله :فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ[ التحريم : 4 ] وهذه العندية كناية عن كونه ذا منزلة رفيعة وقدر عظيم عنده تعالى . وخامستها أنه مطاع في ملائكته تطيعه الملائكة المقربون لعلمهم بمنزلته عند اللّه . وسادستها أنه أمين على وحي اللّه تعالى ورسالته قد عصمه اللّه تعالى من الخيانة والزلل . وقوله : « ثم » بفتح الثاء إشارة إلى الظرف المذكور هو عند ذي