والثانية نشطا ، أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقا أي نزعا شديدا من إغراق النازع في القوس فتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيه ، فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات ، أو حال سلوكها فإنها تنزع عن الشهوات وتنشط إلى عالم القدس وتسبح في مراتب الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات ، أو صفات أنفس الغزاة أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام وينشطون بالسهم للرمي ويسبحون في البر والبحر فيسبقون إلى حرب العدو فيدبرون أمرها ، أو صفات خيلهم فإنها تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها وتخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر وتسبح في جريها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر . أقسم اللّه تعالى بها على قيام الساعة وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه .
يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ
( 6 )
شرح
المترتبة عليها أمور كثيرة ؟ قلنا : المراد بالأمر الجنس فصح أن يعبّر به عن الجمع . قوله :
( فإنها تنزع عن الأبدان ) أي تقلع تعلقها عن الأبدان قلعا شديدا . شبّه قلع التعلق بالنزع لأنها تعلق من كثرة الاتصال بالشيء ، فإن نفس الميت توصف بالنزع فيقال لمن هو في صدد الموت فلان في النزع أي في قلع تعلق روحه ببدنه . وتلك النفوس الفاضلة كما أنها تنزع أي تقلع تعلقها بالأبدان عنها تنشط أي تخرج منها إلى عالم الملكوت ، ثم إنها لاشتياقها إلى الاتصال بالعالم العلوي ترتقي إلى عالم الملائكة ومنازل القدس على أسرع الوجوه في روح وريحان بعد خروجها من ظلمة الأجساد ، فعبّر عن ذهابها على هذه الحالة بالسباحة . ثم لا شك أن مراتب النفوس الفاضلة في النفرة عن الدنيا ومحبة الاتصال بعالم القدس مختلفة ، فكلما كانت أتم في هذه الأحوال كان سيرها إلى ذلك العالم أسبق ، وكلما كانت أضعف كان سيرها إليه أبطأ ، ولا شك أن الأرواح السابقة أشرف فلا جرم أوقع القسم بها حيث قال :
( والسابقات سبقا ) ثم إن هذه النفوس الشريفة لعلو همتها في تكميل النفوس القاصرة ولشرفها وقوتها لا يبعد أن يظهر فيها آثار وتدبيرات في هذا العالم فتكون من المدبرات . ألا ترى أن الإنسان قد يرى في المنام أن بعض الأموات يرشده إلى مطلوبه ! قوله : ( أو حال سلوكها ) عطف على حال المفارقة عن الأبدان أي أو هي صفات النفوس الفاضلة حال سلوكها . قوله : ( أقسم اللّه بها على قيام الساعة ) يعني أن جواب القسم محذوف وهو إما لتبعثن ويدل عليه ما حكى اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا :أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً[ النازعات : 11 ] أي أنبعث إذا صرنا عظاما نخرة ، وإما لننفخن في الصور نفختين ويدل عليه ذكر الراجفة والرادفة وهما النفختان ، وإما أن القيامة واقعة لأنه تعالى قال :وَالذَّارِياتِ ذَرْواً[ الذاريات : 1 ] ثم قال :إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ[ الذاريات : 5 ] وقال :وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً[ المرسلات : 1 ] ثم قال :إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ[ المرسلات : 7 ] فكذا ههنا فإن القرآن