لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً
( 35 ) وقرأ الكسائي بالتخفيف أي كذبا أو مكاذبة إذ لا يكذب بعضهم بعضا .
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ
بمقتضى وعده
عَطاءً
تفضلا منه إذ لا يجب عليه شيء ، وهو بدل من جزاء . وقيل : منتصب به نصب المفعول به
حِساباً
( 36 ) كافيا من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال : حسبي ، أو على حسب أعمالهم
شرح
به الكأس للمبالغة في امتلائها . قوله تعالى :( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً )اللغو هو ما يصدر من الكلام في أثناء الشرب ، بخلاف أهل الجنة فإنهم إذا شربوا لا تتغير عقولهم فلا يتكلمون بلغو من نحو الهذيان والصياح والعربدة ، ولا يكذب بعضهم بعضا ، فإن « كذابا » بالتشديد بمعنى التكذيب فلا يسمع فيها شيئا من ذلك . قوله : ( بمقتضى وعده ) جواب عما يقال : إنه تعالى جعل ما وعده للمتقين جزاء وعطاء وهو كالجمع بين المتنافيين لأن كونه جزاء يستدعي ثبوت الاستحقاق ، وكونه عطاء يستدعي عدم ثبوته . وتقرير الجواب أن ذلك تفضل وعطاء في نفس الأمر وجزاء مبني على الاستحقاق من حيث إنه تعالى وعد به لأهل الطاعة .
وقوله : « عطاء » بدل الكل من الكل من قوله : « جزاء » لاتحادهما بالذات واختلافهما بحسب المفهوم ، وفي إبداله منه نكتة لطيفة وهي الدلالة على أن بيان كونه عطاء وتفضلا منه تعالى هو المقصود ، وبيان كونه جزاء وسيلة إليه . وقيل : انتصاب « عطاء » على أن مفعول به لجزاء بمعنى جزاهم عطاء على أن العطاء بمعنى المعطي . قيل : يلزم عليه انتصاب « جزاء » على أنه مصدر مؤكد لفعله المحذوف ، كما صرح به المصنف في مثله ، والمصدر إنما يعمل إذا كان بمعنى « أن » مع الفعل والمفعول المطلق لا يكون كذلك لأن الفعل لا يؤكد « بأن » مع الفعل وإنما يؤكد بالمصدر الصريح ، صرح به سيبويه في كتابه حيث قال : ويعمل عمل فعله ماضيا كان أو غيره إذا لم يكن مفعولا مطلقا . وأجيب عنه بأنه لا يلزم من عدم جواز تأكيد الفعل « بأن » مع الفعل لفظا عدم كون المفعول المطلق بمعنى « أن » مع الفعل ، فإذا جاز أن يكون المفعول المطلق بمعنى أن مع الفعل جاز أن يكون عاملا . وفيه أن هذا الجواب يدفعه قول سيبويه : ويعمل عمل فعله إذا لم يكن مفعولا مطلقا . قوله : ( كافيا ) يعني أن قوله تعالى :حِساباًصفة لقوله : « عطاء » على أنه مصدر أقيم مقام محسبا بمعنى كافيا من قولهم :
أعطاني ما أحسبني أي ما كفاني ، وأحسبت فلانا إذا أعطيته ما يكفيه حتى قال : حسبي . ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسّلام : حسبي من سؤالي علمه بحالي أي كفاني من سؤالي .
قوله : ( أو على حسب أعمالهم ) فيكون أيضا صفة لعطاء أي عطاء كائنا بحسب أعمالهم ومقدارها فحذف الجار ونصب الاسم ، « فحسابا » على هذا مصدر حسبته بمعنى عددته وقدرته . وفي الصحاح : حسبه يحسبه بالضم حسبا وحسبانا إذا عده وقدره . والظاهر أن يقال : على حسب ما وعد للعاملين من أصل الثواب وأضعافه في مقابلة أعمالهم ، فإن الجزاء