تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
في الشجاعة مبلغا يحق أن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك . روي أنه مر بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يقرأ حم السجدة فأتى قومه وقال : لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس والجن ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى . فقال قريش : صبأ الوليد فقال ابن أخيه أبو جهل : أنا أكفيكموه . فقعد إليه حزينا وكلّمه بما أحماه فقام فأتاهم فقال : تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق ؟ وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن ؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا ؟ فقالوا : لا . فقال : ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله
شرح
القرآن في غاية الركاكة والسقوط . ويحتمل أن يكون تعجبا من قوة خاطره في نفس الأمر أي أصاب ما لم يبلغ إليه ذهن أمثاله من المعاندين . قوله : ( روي أنه مر بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) إشارة إلى كونه معاندا في إنكار آيات اللّه تعالى حيث اعترف بأنه يعلو ولا يعلى وبيان لما حمله على التفكير ، والتقدير : وهو أنه لما رأى أن القرآن لا يشبه كلام الشعراء ولا كلام الكهنة ولا كلام المجانين ولا شيئا من كلام الإنس والجن قال : إن له لحلاوة ، لاشتماله على المعاني اللطيفة والأحكام الموافقة لمقتضى الحكمة ، وإن عليه لطلاوة ، وهي بفتح الطاء وضمها يعني الحسن والقبول . والماء الغدق أي الكثير ومكان غدق أي كثير مخصب . وقوله : إن أعلاه لمثمر وأسفله لمغدق استعارة بالكناية شبّه القرآن العظيم في نفسه بشجرة غضة طرية استحكم أصلها بكثرة الماء في أسفلها وعلا فرعها في السماء ، وأثبت له الأعلى والأسفل وأثبت لأعلاه ثمارا ولأسفله غدقا على طريق التخييل . ولما رآه كما وصفه وكان مجبولا على المكابرة والعناد والتعصب والحسد لا جرم حمله خبث طبعه على أن يتفكر فيما تخيل طعنا في القرآن وأن يقدر في نفسه ما يقول في حقه . قوله : ( فقام فأتاهم ) أي فقام الوليد وأتى قريشا فقال لهم : ما تقولون في هذا الرجل ؟ فقالوا : نقول إنه شاعر . فعبس عندها فقال : قد سمعنا بقول الشعر فما يشبه قوله الشاعر . فقالوا : نحن نقول إنه كاهن . فقال : كيف تقولون ذلك وإنكم لما تجدونه يحدث بما يحدث به الكهنة . فقالوا : نحن نقول إنه مجنون . فقال : كيف تنسبون إليه الجنون وما رأيتموه يخنق ، قال ذلك بناء على زعمهم أن الجن والشياطين تخنق المجنون ، فقالوا له : فما تقول في حقه ؟ فأخبرهم بما قدر في نفسه أن يقول في حقه عليه الصلاة والسّلام فقال : ما هو إلا ساحر وما كلامه إلا سحر يفرق بين الأحبة . فقبلوا منه ذلك ورضوا به فخرجوا من عنده ، فجعل ما يلقى أحد منهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا قال : يا ساحر يا ساحر . واشتد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فرجع إلى منزله فتدثر فاضطجع حزينا متفكرا في أمره ، فأنزل اللّهيا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُإلى قوله :إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِيعني أنه كلام الإنس وليس من عند اللّه . قوله :
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 397 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين