ولا تدعه حتى تهلكه
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
( 29 ) مسودة لأعالي الجلد ، أو لائحة للناس .
وقرئت بالنصب على الاختصاص .
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
( 30 ) ملكا أو صنفا من الملائكة يلون أمرها . والمخصص لهذا العدد أن اختلال النفوس البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الاثنتي
شرح
عليك إن أبقيت عليّ . وفيه أيضا يقال : أرعيت عليه إذا أبقيت عليه ورحمته . قوله : ( ولا تدعه حتى تهلكه ) يعني أنها لا تقنع بمجرد التعذيب بنوع من أنواع العذاب بل تبالغ في تعذيبه إلى أن تهلكه . وقيل : قولهلا تُبْقِي وَلا تَذَرُلفظان مترادفان بمعنى واحد كرر للتأكيد كقولك : صدعني وأعرض . قوله : ( مسودة لأعالي الجلد ) فسر قوله :لَوَّاحَةٌبمسوّدة ومغيرة للبشرة وأعالي الجلد أي ظواهره إشارة إلى أن « لواحة » اسم فاعل مبني للمبالغة من لاحه السفر والعطش أي غيّره وسوّده وهي لواحة أي مغيرة ومسودة . قيل : تلفح وجوههم النار لفحة تدعها أشد سوادا من الليل . والبشر جمع بشرة وهي ظاهر الجلد وتوصيفها بتسويد البشرة لا ينافي قوله تعالى :لا تُبْقِي وَلا تَذَرُلأن ذلك بعد الإلقاء فيها والتسويد قبله . قوله : ( أو لائحة للناس ) على أن « لواحة » اسم فاعل من لاح يلوح بمعنى ظهر . وقيل : لواحة للتهويل والبشر بمعنى الناس . قيل : إنها تلوح للناس من مسيرة خمسمائة عام قال اللّه تعالى :وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى[ النازعات : 36 ] وقال :لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ[ التكاثر : 6 ، 7 ] . قوله : ( وقرئت بالنصب ) أي بتقدير أعني . وقيل : منصوبة على أنها حال من سقر والعامل معنى التعظيم ، أو من المنوي في لا تبقي ولا تذر . وقرأ الجمهور « لواحة » بالرفع بتقدير هي لواحة . قوله : ( ملكا أو صنفا ) يعني أن تمييز « تسعة عشر » يحتمل أن يكون الأشخاص الذين يلون أمر سقر ويسلطون على أهلها من الملائكة وأن يكون أصنافا منهم ولا يعلم عدد كل صنف منهم إلا اللّه . وقيل :
هذه التسعة عشر عدد الرؤساء والنقباء ، وأما جملة أشخاصهم فكما قال اللّه تعالى :وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ[ المدثر : 31 ] روي أن خزنة النار تسعة عشر ملكا مالك ومعه ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف ، وأنيابهم كالصياصي ، وأشعارهم تمس أقدامهم يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر نزعت منهم الرحمة والرأفة يرفع الواحد منهم سبعين ألفا في كفه فيرميهم حيث أراد في جهنم .
قوله : ( والمخصص لهذا العدد ) قال أرباب الحكمة في وجه اختصاص خزنة النار بهذا العدد : إن سبب فساد النفوس الإنسانية في قواها النظرية والعملية هو القوى الحيوانية والطبيعية ، أما القوى الحيوانية فهي الخمس الظاهرة والخمس الباطنة والشهوة والغضب