فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ
( 11 ) منصب وهو مبالغة وتمثيل لكثرة الأمطار وشدة انصبابها وقرأ ابن عامر ويعقوب « ففتحنا » بالتشديد لكثرة الأبواب
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً
وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة . وأصله وفجرنا عيون الأرض غير للمبالغة .
فَالْتَقَى الْماءُ
ماء السماء وماء الأرض وقرئ الماءان لاختلاف النوعين ، والماوان بقلب الهمزة واو
عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
( 12 ) على حال قدرها اللّه في الأزل من غير تفاوت ، أو على حال قدرت وسويت وهو أن قدّر ما أنزل على قدر ما أخرج ، أو على أمر قدّره اللّه وهو هلاك قوم نوح بالطوفان .
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ
ذات أخشاب
شرح
وأنواع الأذية حيث قالوا :لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ[ الشعراء : 116 ] ويؤيد هذا المعنى ترتب قوله :فَدَعا رَبَّهُعليه بالفاء أي لما زجروه على دعوتهم وعلى تبليغ رسالته إليهم دعا ربه بأني غلبني قومي بالتكذيب وأنواع الأذية على طول الزمان فانتقم لي ممن كذبني .
قوله : ( وهو مبالغة وتمثيل ) يعني جعل الماء آلة لفتح أبواب السماء مبالغة في كثرة الماء . هذا على أن تكون الباء في قوله تعالى :بِماءٍ مُنْهَمِرٍللاستعانة كما تقول : فتحت بالمفتاح . ويحتمل أن تكون للحال أي فتحناها ملتبسة بهذا الماء المنهمر الكثير النازل بقوة وتتابع حيث قيل : إنه لم ينقطع أربعين يوما ، وجعل الكلام استعارة تمثيلية لأن الظاهر أن السماء ليست لها أبواب تفتح وتغلق حتى تنزل الأمطار من تلك الأبواب بل هي إنما تنزل من السحاب ، إلا أنه شبه نزولها من السحاب بكثرة وشدة بنزولها من السماء بأن غلبت على أبوابها وانصبت منها ولم يتأت للأبواب أن تسدها . وقيل : كل واحد من السماء والأبواب وفتحها حقيقة إذ لا بعد في أن يكون للسماء أبواب تفتح وتغلق حتى روي عن علي رضي اللّه عنه : أن أبواب السماء هي المجرة ولا بعد أيضا أن ينزل المطر من تلك الأبواب .
قوله : ( فغير للمبالغة ) أي غير العيون من المفعولية إلى التمييز للمبالغة لأن قولنا :
فجرنا عيون الأرض معناه فجرنا وسيلنا ما فيها من العيون ، ولا مبالغة فيه بخلاف قولنا :فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناًفإن معناه فجرنا أجزاء الأرض كلها بجعلها عيون ماء ، ولا شك في أنه أبلغ . ولما كان الماء اسم جنس صح أن يقال :فَالْتَقَى الْماءُبدل فالتقى ماء السماء وماء الأرض ، والظاهر أن قوله تعالى :عَلى أَمْرٍحال من « الماء » أي فالتقى مياه السماء والأرض كائنة على المقدار الذي قدر اللّه تعالى في الأزل أن تكون عليه ، أو التقيا كائنا كل واحد منهما على مقدار الآخر مساويا له كما قال مقاتل : قدر اللّه أن يكون الماءان سواء وكانا على ما قدرا ، أو فالتقى الماء مستوليا على ما قدره اللّه تعالى من هلاك قوم نوح . انتهى .