وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً
( 5 ) اعتذار عن اتباعهم للسفيه في ذلك بظنهم أن أحدا لا يكذب على اللّه . و « كذبا » نصب على المصدر لأنه نوع من القول أو الوصف لمحذوف أي قولا مكذوبا فيه . ومن قرأ « لن تقول » كيعقوب جعله مصدرا لأن التقول لا يكون إلا كذبا .
وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ
فإن الرجل كان إذا أمسى بقفر قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه .
شرح
في نظم الآية صفة مصدر محذوف ، ولما كان الشطط عبارة عن مجاوزة الحد والقدر في أي شيء كان احتيج إلى تقدير المضاف ، لأن القول لا يوصف بأنه في نفسه بعد عن الحق ومجاوزة الحد إلا على طريق المبالغة كما في : رجل عدل ، وإنما يقال : قول شاط أو ذو شطط ، فقدر المضاف لذلك ثم أشار إلى جواز كونه من قبيل التوصيف بالمصدر للمبالغة لفرط ما أشط أي أبعد ذلك السفيه في ذلك القول الدال على نسبة الصاحبة والولد إليه تعالى . قوله : ( اعتذار ) كأنهم قالوا : ظننا أن الشأن لن تقول الإنس والجن على اللّه كذبا فلذلك صدقنا سفهاءنا في أن للّه شريكا وصاحبة وولدا ، فلما سمعنا القرآن وتبين لنا أنه الحق علمنا أنهم قد كذبوا عليه تعالى . وهذا منهم إقرار بأنهم إنما وقعوا في تلك الجهالة بسبب التقليد وأنهم إنما تخلصوا من تلك الظلمات ببركة الاستدلال والتفكر في آيات اللّه تعالى .
قوله : ( جعله مصدرا ) أي مصدرا مؤكدا لفعله لأن « كذبا » بمعنى تقولا كأنه قيل : لن تقول تقولا . ولا يجوز أن يكون صفة « لتقولا » المحذوف المؤكد لفعله لأن التقول لا يكون إلا كذبا فلا فائدة في توصيفه بالكذب . و « إن » فيه مخففة من الثقيلة أي ظننا أنه ، والضمير للشأن وكذا ضمير « إنه » في قوله :وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌأي وأن الشأن كان رجال من الإنس .
و « رجال » اسم « كان » و « من الإنس » صفة لرجال وكذا « من الجن » ، و « يعوذون » خبر « كان » و « رهقا » مفعول ثان « لزاد » . واختلفوا في فاعله ؛ فقيل : الإنس أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بهم كفرا وعتوا حتى قالوا سدنا الجن والإنس وقطعوا بذلك من كفرهم ، وقيل :
بل فاعله هو الجن أي فزاد الجن الإنس بذلك طغيانا في الكفر ، فإن الإنس إذا عاذوا بهم وأمنوا في منزلهم ظنوا أن ذلك من الجن فازدادوا رغبة في طاعة الشياطين وقبول وساوسهم .
والمصنف أشار إلى جواز الوجهين وتقديم الوجه الأول . قال مقاتل : أول من تعوّذ بالجن قوم من أهل اليمن ، ثم قوم من بني حنيفة ، ثم فشا ذلك في العرب . فلما جاء الإسلام عاذوا باللّه وتركوهم . روي عن رجل أنه قال : خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأتاني المبيت إلى راعي غنم ، فلما انتصف الليل جاء ذئب فحمل حملا من الغنم فقال الراعي : يا عامر الوادي جارك اللّه ، فنادى مناد : يا سرحان أرسله . فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم ولم يصبه كدمه فأنزل اللّه تعالى على رسوله بمكةوَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ