وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
وهو ما زين لهم الشيطان من رد الحق بعد ظهوره وذكرهما بلفظ المضي للإشعار بأنهما من عادتهم القديمة .
وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
( 3 ) منته إلى غاية من خذلان أو نصر في الدنيا وشقاوة أو سعادة في الآخرة ، فإن الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت واستقر . وقرىء بالفتح أي ذو مستقر بمعنى استقرار وبالكسر والجر على أنه صفة أمر و « كل » معطوف على « الساعة » .
وَلَقَدْ جاءَهُمْ
في القرآن
مِنَ الْأَنْباءِ
أنباء القرون الخالية ، أو أنباء الآخرة
ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ
( 4 ) ازدجار من تعذيب أو وعيد . وتاء الافتعال دالا مع الدال والذال والزاي للتناسب . وقرىء « مزجر » بقلبها زايا وإدغامها .
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
غايتها لا خلل فيها وهي بدل من « ما » أو خبر لمحذوف . وقرىء بالنصب حالا مما فإنها موصولة أو مخصوصة بالصفة فيجوز
شرح
مطمع . قوله : ( وذكرهما بلفظ المضي ) مع أن الظاهر أن يقال : ويكذبوا ويتبعوا لكونهما معطوفين على قوله : « يعرضوا » و « يقولوا » . قوله تعالى :( وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ )الجمهور على كسر قاف مستقر ورفعه على أنه خبر « كل » الواقع مبتدأ . وفسره المصنف بقوله : « منته إلى غاية » إشارة إلى أن الاستقرار كناية عن ملزومه وهو الانتهاء إلى الغاية ، فإن عنده يتبين حقيقة كل شيء من الخير والشر والحق والباطل وتنكشف جلية الحال وتتضح الشبهة والالتباس .
فالحقائق إنما تظهر عند العواقب فإن لكل أمر غاية في الدنيا وكذا في الآخرة ينتهي إليها لا محالة فإذا انتهى إليها يستقر ويتم أمره ويتبيّن حاله . فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سيصير إلى غاية يتبين عندها أنه حق أو باطل وسيظهر لهم عاقبته وكذلك أمر تكذيبه . فالآية وعيد للمشركين ووعد للرسول وللمؤمنين ، ونظيره قوله تعالى :لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ[ الأنعام : 67 ] أي كل نبأ وإن طالت مدته فلا بد أن ينتهي إلى غايته وتنكشف حقيقته من الحقية والبطلان . قوله : ( وقرىء بالفتح ) أي بفتح القاف على أنه مصدر ميمي بمعنى الاستقرار فلا بد من تقدير مضاف أي وكل أمر ذو استقرار . وقرىء بكسر القاف وجر الكلمة أيضا فيكون « كل أمر » مرفوعا بالعطف على فاعل « اقتربت » وهو الساعة . ثم إنه تعالى بعد ما أوعد كفار مكة بخذلانهم في الدنيا وشقاوتهم في العقبى ووعد الرسول والمؤمنين بالنصرة في الدنيا والسعادة في الآخرة ، أمر رسوله عليه السّلام بأن يتولى عن دعوتهم ومناظرتهم بالحجة والبرهان وفرع الأمر بالإعراض على قوله :جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌفَما تُغْنِ النُّذُرُتعليلا للأمر المذكور والأنباء هي الأخبار العظام فإن النبأ والأنباء لم يرد في القرآن إلا لما له وقع وشأن عظيم . والزجر المنع والنهي ، وازدجر افتعل منه أصله ازتجر .
وقد تقرر أن تاء الافتعال إذا وقعت بعد الزاي والدال والذال تقلب دالا لأن الزاي حرف مجهور والتاء حرف مهموس فتقلب حرفا يناسب الزاي في الجهر ويناسب التاء في المخرج