تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ
« إن » نافية وهي أحسن من « ما » ههنا لأنها توجب التكرير لفظا . ولذلك قلبت ألفها هاء في مهما ، أو شرطية محذوفة الجواب والتقدير : ولقد مكناهم في الذي أو في شيء إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر ، أو صلة كما في قوله :
يرجى المرء ما إن لا يراه * ويعرض دون أدناه الخطوب
والأول أظهر وأوفق كقوله :
هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً
[ مريم : 74 ] كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا .
وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً
ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على
شرح
وكون الريح في حقهم بهذا الوصف وفي حق الكفرة بما ذكر من الشدة معجزة له عليه الصلاة والسّلام . قوله : ( والتقدير ولقد مكناهم في الذي أو في شيء ) إشارة إلى أن ما يجوز أن تكون موصولة وما بعدها صلتها ، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها . وذكر لكلمة « أن » ثلاثة أوجه : الأول أنها نافية بمعنى « ما » وعدل عنها إلى أن كراهة اجتماع المثلين كما قلبت لذلك ألفها هاء في « مهما » أصله « ماما » عند الخليل . والثاني أنها شرطية والجملة الشرطية صلة « ما » أو صفتها وجواب الشرط محذوف . والثالث أنها صلة كما في قوله :( يرجى المرء ما إن لا يراه * ويعرض دون أدناه الخطوب )أي يؤمل ما لا يراه ولا يصل إليه . والخطوب جمع خطب وهو الأمر والشأن العظيم أي تعرض الخطوب بينه وبين أدنى شيء مما يؤمله فلا يمكنه الوصول إلى أدنى شيء منه . والمعنى حينئذ : ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه وأن أحوالهم كانت كأحوالكم ولستم بأكثر منهم مكنة وقدرة ، فإذا قدرنا على إهلاكهم فنحن قادرون على إهلاككم أيضا وكونها نافية أصح الوجوه والمعنى حينئذ : مكناهم فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطول العمر وكثرة الأرزاق والأموال ، ثم إنهم مع هذه القوة والبسطة ما نجوا من عقاب اللّه فكيف يكون حالكم ؟ ثم إنه تعالى ذكر من جملة ما أنعم به عليهم ما يكون سببا لنجاتهم من عذابه ولنيل رحمته وإحسانه فإنهم إن استعملوا أسماعهم في سماع الدلائل ، وأبصارهم في أن ينظروا بها في ملكوت السماوات والأرض ويشاهدوا عجائب مصنوعاته ، ويستدلوا بأفئدتهم على معرفة اللّه وكمال قدرته ودقائق حكمته حيث هيأ لهم مما ينتظم به أحوالهم ما يعجز عن إحاطته أفكار أولي الألباب ، فما استعملوا هذه القوى فيما يسعدهم بل صرفوها إلى طلب الدنيا ولذاتها فلا جرم ما أغنى عنهم شيء منها من عذاب اللّه تعالى . و « ما » في قوله :فَما أَغْنى عَنْهُمْنافية لا استفهامية لأن قوله :مِنْ شَيْءٍيأبى عن كونها استفهامية إذ يصير التقدير
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 568 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين