تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
وذلك أن قريشا لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا : لعن اللّه اليهود والنصارى لو أتانا رسول لنكوننّ أهدى من إحدى الأمم ، أي من واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم ، أو من الأمة التي يقال فيها هي إحدى الأمم تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة .
« فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ
يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم
ما زادَهُمْ
أي النذير أو مجيئه على التسبب
إِلَّا نُفُوراً
( 42 ) تباعدا عن الحق .
شرح
والجهد بالضم الطاقة . وعند غير الفراء كلاهما بمعنى الطاقة أي أقسموا بأيمانهم وبالغوا في تأكيدها وأكدوها بما هو غاية وسعهم . واللام في قوله :لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌلام توطئة القسم وقوله :لَيَكُونُنَّجواب القسم المقدر إذ لم يحك في الآية قسمهم بل إنما حكى معنى كلامهم وسد مسد جواب الشرط ، وقوله :لَئِنْ جاءَهُمْحكاية لمعنى كلامهم لا للفظه إذ لو كان كذلك لكان التركيب جاءنا لنكونن . قوله : ( أي من واحدة من الأمم ) أي ممن كذب الرسل من أهل الكتاب كائنا من كان من اليهود والنصارى وغيرهما ، فإن المكذبين إحدى الأمتين والمصدقين أمة أخرى . فإن قوله :مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِلما كان شائعا في الأمم كلها صالحا لكل واحدة منها على البدل صار في معنى النكرة في الإثبات ، وقد يحمل على العموم والاستغراق بقرينة المقام كما في نحو : تمرة خير من جرادة أي كل واحدة من أفراد التمر خير من كل جرادة . فمعنى قوله :لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِليكونن أهدى من كل واحدة من الأمم ومن أي إحدى الأمم يفرض وعلى قوله : « أو من الأمة التي يقال فيها هي إحدى الأمم » يكون قوله :مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِبمعنى من بعض الأمم فيكون في معنى النكرة المحمولة على التعظيم ويكون معناه ليكونن أهدى من أفضل الأمم وأشرفها . قوله : ( اليهود والنصارى وغيرهم ) بدل من الأمم لأن كل واحد أمم . وفي الكواشي : ليس المراد بإحدى الأمم إحدى الأمتين دون الأخرى بل هما جميعا ، لأن إحدى شائعة فيهما لأنها تصلح لكل واحدة منهما على البدل دون العموم والاستغراق فكيف ثبت به دعوى العموم ؟ ولعل النكرة في الإثبات قد تحل على العموم والاستغراق بقرينة المقام كما في قوله : تمرة خير من جرادة أي كل واحدة من أفراد التمر خير من كل جرادة ، فكذلك المعنى ههنا : ليكونن أهدى من كل واحدة من الأمم ومن أي إحدى الأمم يفرض ، وإن كان المعنى ههنا ، ليكونن أهدى من أفضل الأمم فطريق إرادته منه أنه لما كان في معنى النكرة صح أن يقصد به التعظيم والتفضيل كما أشار إليه الزمخشري في قوله تعالى :مِنْ أَساوِرَ[ الكهف : 31 ؛ الحج : 23 ؛ فاطر : 33 ] . قوله : ( على التسبب ) يعني أن إسناد زادهم إلى النذير أو مجيئه إسناد مجازي من قبيل إسناد الحكم إلى سببه لأن نفس النذير أو مجيئه لا يزيدهم نفورا ،