تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
كَسَبُوا
من المعاصي
ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها
ظهر الأرض
مِنْ دَابَّةٍ
من نسمة تدب عليها بشؤم معاصيهم . وقيل : المراد بالدابة الإنس وحده لقوله :
وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
وهو يوم القيامة
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً
( 45 ) فيجازيهم على أعمالهم . عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة ادخل من أي باب شئته » .
شرح
أولى بأن لا يعجزوه ولا يسبقوه فيفوتوه . قوله تعالى :( عَلى ظَهْرِها )ستعارة تخييلية . شبّه الأرض بالدابة التي يركب الإنسان عليها من جهة تمكنه وتعليه عليها ثم أثبت لها ما هو من لوازم المشبه به وهو الظهر ليكون دليلا على الاستعارة بالكناية . فإن قيل : كيف يقال : لما عليه الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض مع أن الظهر مقابل الوجه ، فهو من قبيل إطلاق الضدين على شيء واحد ؟ قلت : صح ذلك باعتبارين فإنه يقال لظاهرها ظاهر الأرض من حيث إن الأرض كالدابة الحاملة للأثقال والأحمال وأنهم راكبوها ويقال له : وجه الأرض ليكون الظاهر منها كالوجه للحيوان وأن غيره كالبطن والباطن منها . قوله : ( بشؤم معاصيهم ) لما بيّن أن بين الدابة أي النسمة التي تدب عليها وبين الناس ملازمة بالشرطية والجزائية ، ورد عليه ما وجه الملازمة بين الشرط والجزاء ؟ فإنه تعالى إذا كان يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب حتى يهلكوا ؟ أشار إلى جوابه بقوله : « بشؤم معاصيهم » وتقريره : أن إنزال المطر إنعام من اللّه تعالى في حق عباده فإذا لم يستحقوا الإنعام بما اجترحوا من المعاصي قطعت الأمطار عنهم بشؤم معصيتهم ، فيظهر الجفاف على وجه الأرض فلا تنبت شيئا فيموت جوعا جميع الحيوانات بطريق التبعية لهم . فقوله تعالى :ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍكناية أريد بها الملزوم والمعنى : انقطع عنهم ما هو سبب معاشهم وهو المطر فيموتون جميعا ويموت سائر الدواب أيضا تبعا لهم . ويحتمل أن يكون مراده أن خلق الدواب نعمة في حقهم فإذا كسبوا المعاصي يزيل اللّه تعالى نعمه . وخص الدواب بالذكر من بين النعم لاشتمالها على وجوه المنافع ولكونها أقرب المركبات إليهم فإن البسائط العنصرية أول عالم العناصر ، ثم من المركبات المعادن ثم النبات ثم الحيوان ثم الإنسان فهي أقرب درجة للإنسان في عالم العناصر . والحمد للّه وحده وصلّى اللّه على من لا نبي بعده تمت سورة فاطر والحمد للّه على كل حال .
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 49 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين