المغفور والانتصار عن مقاومة الخصم والحلم على العاجز محمود وعلى المتغلب مذموم لأنه إجراء وإغراء على البغي . ثم عقب وصفهم بالانتصار بالمنع عن التعدي فقال :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
وسمى الثانية سيئة للازدواج أو لأنها تسوء من تنزل به
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ
بينه وبين عدوه
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
عدة مبهمة تدل على عظم الموعود
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
( 40 ) المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ
بعد ما ظلم ، وقد قرىء به .
فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ
( 41 ) بالمعاتبة والمعاقبة
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ
يبتدئونهم بالإضرار أو يطلبون ما لا يستحقونه تجبرا
شرح
وهو يدل على أن ضده وهو الانتصار من الباغي صفة نقصان وقد جعل في هذه الآية صفة مدح أيضا ، فكيف يكون كل واحد من المتقابلين صفة مدح ؟ وتقرير الجواب : أن الغفران عبارة عن التجاوز عن ذنب الذليل العاجز والانتصار من الباغي هو الانتقام من الظالم الغالب فلا تقابل بينهما حتى يلزم من كون أحدهما صفة مدح كون الآخر صفة نقصان . والحاصل أن العفو على قسمين : أحدهما العفو الذي يكون سببا لتسكين الفتنة ورجوع الجاني عن جنايته والثاني ما يكون سببا لمزيد جراءة الجاني وازدياد سفاهته ، فآية العفو محمولة على القسم الأول وهذه الآية محمولة على القسم الثاني فلا مخالفة . قوله : ( ثم عقب وصفهم بالانتصار ) أي أورد عقيب وصفهم بالانتصار والشجاعة قوله تعالى :وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهالأجل المنع عن التعدي والبيان لحد الانتصار .
قوله : ( وسمى الثانية سيئة ) جواب عما يقال : جزاء السيئة مشروع ما دون فيه وكل مشروع حسن فكيف سمي سيئة ؟ ثم إنه تعالى بيّن أن العفو أولى فقال :فَمَنْ عَفافأصلحفَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِوفي الحديث : « إذا كان يوم القيامة ينادي مناد : من كان له على اللّه أجر فليقم قال : فيقوم خلق فيقال لهم : ما أجركم على اللّه ؟ فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا . فيقال لهم : ادخلوا الجنة بإذن اللّه تعالى » . ثم قال في مقام التحريض على العفوإِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَفدل ذلك على أن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز الحد والاعتداء لأنه يكون في حال الغضب فربما يكون المجازي من الظالمين وهو لا يشعر به . وقال مقاتل :
المراد بالظالمين البادئون بالظلم . واللام في قوله تعالى :وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِلام الابتداء دخلت على المبتدأ ، ومن يجوّز أن تكون شرطية وهو الظاهر والفاء في « فأولئك » جواب الشرط وأن تكون موصولة ودخلت الفاء في خبرها لتضمنها معنى الشرط وقوله تعالى :بَعْدَ ظُلْمِهِمن إضافة المصدر إلى مفعوله كقوله تعالى :بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ[ ص : 24 ] ومن دعا الخير أي من بعد ظلم الظالم إياه فأولئك المنتصرون ما عليهم لأحد من سبيل بلوم أو عقوبة لأنهم فعلوا ما أبيح لهم من الانتصار . قوله : ( أو يطلبون ما لا يستحقونه )