تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
الإيمان فاستجابوا وأقاموا الصلاة .
وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ
ذو شورى لا يتفردون برأي حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه ، وذلك من فرط تدبرهم وتيقظهم في الأمور . وهي مصدر كالفتيا بمعنى التشاور
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
( 38 ) في سبيل الخير
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
( 39 ) على ما جعله اللّه لهم كراهة التذلل وهو وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفضائل . وهو لا يخالف وصفهم بالغفران فإنه ينبئ عن عجز
شرح
الذين يجمعون الصفات المذكورة ، ثم عطف عليه الأنصار الذين استجابوا لربهم الحسنى كمال الإجابة والانقياد للإشارة إلى أنهم لكمال استجابتهم كأنهم ليسوا من عداد المؤمنين الموصوفين فيكون التعريف في المعطوف للعهد الخارجي . قال الإمام : فإن قالوا أليس أنه لما جعل الإيمان شرطا فيه فقد دخل في الإيمان إجابة اللّه تعالى ؟ قلنا : الأقرب عندي أن تحمل الإجابة على تمام الرضى بقضاء اللّه تعالى من صميم القلب وأن لا يكون في قلبه منازعة بوجه من الوجوه ولا يلزم منه معنى محصل . فلذلك لم يلتفت إليه المصنف . ومن أمهات الفضائل إقامة الصلاة أي إتمام الصلوات الخمس برعاية جميع أركانها وشرائطها وسننها وآدابها . قوله : ( ذو شورى ) يعني أن شورى مصدر بمعنى التشاور كالفتيا بمعنى الإفتاء ، والمعنى : إن التشاور كان حالهم المستمرة . ويدل عليه عطف الاسمية على الفعلية حيث قيلوَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورىوبولغ فيه بجعل أمرهم نفس الشورى مدحهم بذلك تنبيها على أن خصلة ممدوحة عن الحسن ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم . قوله : ( على ما جعله اللّه لهم ) أي ليس المراد من الانتصار الانتقام ممن بغى عليهم وظلمهم مطلقا بأي وجه كان بل المراد الانتقام على الوجه الذي عينه اللّه تعالى لهم وهو رعاية المماثلة وعدم التجاوز عما حد لهم . عن النخعي أنه كان إذا قرأها قال : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق . قال تعالى :وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ[ النحل : 126 ] وقال :وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهاإلى غير ذلك والمقصود من هذه الآية وصفهم بالشجاعة لأن البغي الذي هو الظلم والتعدي إنما يصيبهم من أهل الشوكة والغلبة ، وإذا انتقموا منهم بالحد المشروع كراهة التذلل وردعا للجاني عن الجراءة على الضعفاء فقد ثبت شجاعتهم وصلابتهم في دين اللّه ، ولهذا قال : العفو مندوب إليه . ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيصير ترك العفو مندوبا إليه بأن أدى إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى دل عليه ما روي أن زينب أسمعت عائشة رضي اللّه عنها بحضرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان صلّى اللّه عليه وسلّم ينهاها فلا تنتهي فقال عليه الصلاة والسّلام لعائشة رضي اللّه عنها : « دونك فانتصري » والإسماع السب . قوله : ( وهو لا يخالف وصفهم بالغفران ) جواب عما يقال : إنه تعالى جعل العفو عن الجاني وغفرانه صفة مدح حيث جعله سببا لاستحقاق الثواب الباقي ،