تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
و
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فله أن يقسم النعمة والبلية كيف شاء .
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
من غير لزوم ومجال اعتراض .
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً
بدل من « يخلق » بدل البعض ، والمعنى : يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة فيهب لبعض إما صنفا واحدا من ذكر أو أنثى أو الصنفين جميعا ويعقم آخرين . ولعل تقديم الإناث لأنها أكثر لتكثير النسل أو لأن مساق الآية للدلالة على أن الواقع ما يتعلق به مشيئة اللّه
شرح
أنها بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سمى الإنعام بها إذاقة ، بيّن تعالى أن الإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح وعظم غروره ووقع في العجب والكبر ويظن أنه فاز بكل المنى ووصل إلى أقصى السعادات وذلك لجهله بحال الدنيا وبحال الآخرة . ثم بيّن أنهم إذا أصابهم سيئة أي حالة تسؤهم كالمرض والفقر والقحط فإنهم يظهرون الكفران لما تقدم من نعم اللّه عليهم وينسون ويجحدون بأول شديدة جميع ما سلف من النعم فقوله : « إن الإنسان من وقوع الظاهر موقع الضمير » أي فإنه كفور وذلك للتسجيل على أن شأن هذا الجنس كفران النعم ولهذا التسجيل أقام علة الجزاء مقامه فقال :فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌبدل أن يقال : فإنه يذكر البلاء وينسى النعم ويحقرها ويترك شكرها . ثم إنه تعالى لما بيّن شأن الإنسان وأنه في حالتي الإنعام عليه وإصابته بشيء مما يسوؤه مشتغل بالنعمة عن المنعم إن أعطى اغتر وازداد حرصا ورغبة وإن منع ازداد حزنا على فقده وكفرانا ، بيّن أن ملك السماوات والأرض للّه تعالى وحده فله التصرف فيها يبتلي تارة بالنعمة وتارة بالبلية فاللائق بمن أنعم عليه أن لا يغتر بالنعمة بل يزداد بها الشكر للمنعم ويشتغل بطاعته وبمن ابتلي ببلية أن يعتقد أنها إنما أصابته من شؤم نفسه ويشتغل بالتوبة والاستغفار ويلتجىء إلى عفو اللّه ورحمته . قوله : ( أو لأن مساق الآية للدلالة على أن الواقع ما يتعلق به مشيئة اللّه تعالى ) وذلك لأنه تعالى بيّن سبب إعراضهم عن الاستجابة لربهم بأن حالهم الركون إلى الدنيا والفرح بإقبالها والتحزن بزوالها والغفلة عن المنعم بها فضلا عن الاجتهاد في طلب مرضاته والإجابة إلى ما دعا إليه من توحيده وطاعته فأنكر منهم هذه الحال لكونها مؤدية إلى الإعراض المذكور ، ثم أكد هذا الإنكار بأن ملك السماوات والأرض له ومقاليد التصرف فيها بيده يعطي ويمنع لا راد لقضائه ولا معقب لما حكم ليس لهم من الأمر شيء ، وإنما الأمر يجري بمشيئته فحيث يخلق ما يشاء وإن كان مخالفا لما يشتهونه فكيف يركنون إلى مملوكه ويعرضون عن استجابة دعائه ؟ فظهر بهذا التقرير أن سوق الآية للدلالة على أن الكائنات مرتبطة بمشيئة اللّه تعالى وحده لا دخل لمشيئة العبد فيها فناسب ذلك أن يقدم في تفصيل
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 440 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين