تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
قدم كونه كاذبا أو يصيبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالا عندهم ، وتفسير البعض بالكل كقول لبيد :
تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها
مردود لأنه أراد بالبعض نفسه .
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
( 28 )
شرح
صادقا يصبكم كل الذي يعدكم لأن من يصيب بعض ما يعده دون البعض هم الكهان والمنجمون ، وأما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقا في كل ما يقوله ، فما وجه ذكر البعض في هذا المقام ؟ وتقرير الجواب أن مدار هذا الاحتجاج على المبالغة في التحذير عن قتله بأن يقال احتمال إصابة بعض ما يعده المتفرع على احتمال صدقه كاف في التجنب على قتله ، فالتجنب عنه مع احتمال إصابة جميع ما يعده أولى . ويحسن هذا الأسلوب أيضا أن فيه إظهار الإنصاف وترك اللجاج والتعصب ، وذلك أنه لما فرضه صادقا في جميع ما أخبر به كان الواجب أن يفرع عليه إصابة جميع ما وعد به ولم يفعل ذلك بل قال :يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْفنقص بعض ما يكون على تقدير صدقه ليريهم أنه ليس بكلام من أعطى الكلام حقه تاما وافيا فضلا عن أن يتكلم جزافا ومبالغة وتعصبا ، ومن أنصف في كلامه يسمع الخصم كلامه ولا يرده عليه فلذلك كان كلامه بليغا مقبولا عند البلغاء . وتقرير الجواب الثاني أن المراد ببعض الموعود هو عذاب الدنيا فإنه عليه الصلاة والسّلام كان يتوعدهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة فإذا أصابهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصابهم بعض ما وعدهم به ، وخصوا عذاب الدنيا مع أن صدقه عليه الصلاة والسّلام يستلزم أن يصيبهم جميع ما وعد به من عذاب الدارين لكون عذاب الدنيا أظهر احتمالا عندهم وكافيا في تجاوزهم عن قتله . وأجيب أيضا بأن المراد كل الذي يعدكم فإن البعض قد يراد به الكل كما في قول لبيد :( تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها )قوله : « تراك » خبر محذوف أي إنّا تراك وأو بمعنى « إلى » أي إلى أن يرتبط الحمام ببعض النفوس أي كلها ؛ وكأنه قال : إلى يوم القيامة ، لأن ارتباط الموت بكل النفوس إنما يكون فيه . فعلى هذا التوجيه ينبغي أن يكون « يرتبط » منصوبا إلا أنه سكن الطاء للضرورة . والمصنف رد هذا الجواب برد سنده وهو كون البعض في بيت لبيد بمعنى الكل فقال : لأنه أراد بالبعض نفسه ، ومعنى كلام لبيد أنّا على هذه الصفة حتى أموت وليس مراده حتى يموت جميع الناس لأنه يكون يوم القيامة ومن المعلوم أنه لا يبقى إلى ذلك اليوم .
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 316 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين