فقال :
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأن ليس عندهم خزائن رحمته التي لا نهاية لها ، أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها ؟
فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ
( 10 ) جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم ، فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون ، وهو غاية التهكم بهم ، والسبب في الأصل هو الوصلة . وقيل :
المراد بالأسباب السماوات لأنها أسباب الحوادث السفلية .
جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ
( 11 ) أي هم جند من الكفار المتحزبين على الرسل مهزوم مكسور عما قريب فمن أين لهم التدابير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية ؟ أو فلا تكثرت بما يقولون .
شرح
قوله :أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَنفيا وإثباتا بقوله :أَمْ لَهُمْالآية فإن نفي ملك هذا العالم الجسماني مع أنه بعض خزائنه يربى ويقوى انتفاء ملك جميع خزائنه عنهم بلا شبهة .
قوله : ( أي إن كان لهم ذلك ) لما برزوا في صورة من له ملك السماوات والأرض وتعلقوا بما يتعلق به من تدبير الخلائق وقسمة الرحمة بينهم وأشعروا بأن عندهم من الحكمة ما يميزون به بين من هو حقيق بإعطاء النبوة وبين من لا يليق بها ، قيل لهم على طريق التهكم البليغ : إن كان كذلك كما زعموا فليصعدوا في أسباب الارتقاء إلى العرش . عن مجاهد وقتادة : أنه أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه وهذا أمر توبيخ وتعجيز .
قوله : ( وقيل المراد بالأسباب السماوات ) استدل حكماء الإسلام بهذه الآية على أن الأجرام الفلكية وما أودع اللّه فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي ، لأنه تعالى سمى الفلكيات أسبابا وذلك يدل على ما ذكرنا . قوله : ( أي هم جند من الكفار ) إشارة إلى أن « جند » خبر مبتدأ محذوف و « من الأحزاب » صفة و « مهزوم » خبر ثان له و « هنالك » صفة أخرى « لجند » . وقيل : هو ظرف لمهزوم وإشارة إلى أن الموضع الذي تقاولوا أو تكلموا بالكلمات السابقة فيه هو مكة . والمعنى : إنهم جند من جملة الكفار الذين تحزبوا وتجمعوا على الرسل بالتكذيب سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات أي سيهزمون بمكة . وقيل : هنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم . وقيل : إلى يوم الخندق .
ومعنى الآية على تقدير أن يكون هنالك إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم أن هؤلاء الحمقى الذين وضعوا أنفسهم فيما هم ليسوا من أهله أي في مرتبة أن يقولوا :أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِناوهو قول عظيم لاستلزامه الاعتراض على اللّه تعالى وهو لا يليق بأحد من خلقه تراهم عن قريب منهزمين فمن أين لهم التدابير الإلهية ، أو فلا تكترث بما يقولون ولا