عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ
( 9 ) بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا فيتخيروا للنبوة بعض صناديدهم . والمعنى :
إن النبوة عطية من اللّه يتفضل بها على من يشاء من عباده لا مانع له فإنه العزيز أي الغالب الذي لا يغلب الوهاب أي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء . ثم رشح ذلك
شرح
اختلاق . أخبر أولا أنهم يقطعون في إنكار الأمرين . ثم اضرب عنه وأبطل كون ذينك القولين منهم عن اعتقاد وصميم قلب ببيان أنهم شاكون مترددون في حقية القرآن وصدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فحين نظروا إلى نظم القرآن وإعجازه وإلى كون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مؤيدا بالمعجزات الباهرة قالوا بحقيتهما ، وحين نظروا إلى لزوم كونهم تابعين بعد ما صاروا رؤساء متبوعين وعسر عليهم الخروج من تقليد الآباء وترك العادات المألوفة قالوا ببطلانهما لكن لا على طريق الجزم . وما وقع منهم من صورة البت والقطع في بطلان أمرهما إنما حملهم على ذلك وغلبهم في الحسد لا أنهم يعتقدون ذلك ويقطعون به لقوله تعالى :بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِيثم أضرب عن كونهم على الشك ببيان أنهم لا يستمرون عليه وإنما يشكون إلى أن يمسهم العذاب . ودل على ما قلنا من أن قوله :بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِإضراب عن قوله :بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِيقول المصنف : فإذا ذاقوه زال عنهم شكهم ، والأنسب أن يكون إضرابا عن مجموع الجملتين السابقتين المبنية إحداهما على حسدهم والأخرى على شكهم وهماإِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌوبَلْ هُمْ فِي شَكٍّوقوله :أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِناتأكيد وبيان لقوله :إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌكما في الكشاف حيث قال : فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد ، فإنه لو جعل الإضراب من قوله :بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِيوحده لم يكن لذكر الحسد هنا معنى . قوله : ( بل أعندهم خزائن رحمته ) إشارة إلى أن « أم » منقطعة بمعنى « بل » وهمزة الاستفهام الإنكاري فهو إضراب عن الكلام الأول بأسلوب مغاير لأسلوب ما سبق عليه من الإضراب ، فإنهم لما حسدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما آتاه اللّه تعالى من فضل النبوة بقولهم :أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِناوحكى اللّه تعالى ذلك عنهم أضرب عن الحكاية أي انتقل منها إلى إنكار أن تكون خزائن الرحمة في تصرفهم يقسمونها على من أرادوا . وأشار بإضافة خزائن الرحمة إلى الرب العزيز الوهاب إلى اختصاصها به تعالى وأنه هو المتصرف فيها ، ووصف نفسه بالعزة وهي الغلبة والقهر ردا لزعمهم أنهم أحقاء بالنبوة منه صلّى اللّه عليه وسلّم لشرفهم وترؤسهم يريد أن القاهر على خلقه المتصرف في خزائن رحمته كيف يشاء ليس لأحد أن يمنعه من ذلك يهب لمن يشاء ما يشاء . ومعنى المبالغة في صيغة الوهاب الإشارة إلى خطر الموهبة وعظم قدرها وهي النبوة ، وفي جعلها رحمة موهوبة دلالة على أنها ليست بمكتسبة بل هي موهوبة ربانية يختص بها من يشاء من عباده . قوله : ( ثم رشح ذلك ) أي ربي ما أفاده