الألوهية التي كانت لهم لواحد .
إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
( 5 ) بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا وما نشاهده من أن الواحد لا يفي علمه وقدرته بالأشياء الكثيرة .
وقرىء مشددا وهو أبلغ ككرام وكرام . وروي أنه لما أسلم عمر رضي اللّه عنه شق ذلك على قريش فأتوا أبا طالب فقالوا : أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء ، وإنّا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك . فاستحضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا تمل كل الميل عليهم . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ماذا تسألونني » . قالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك . فقال : « أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم » . قالوا : نعم وعشرا فقال : « قولوا لا إله إلا اللّه » . فقاموا وقالوا ذلك .
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ
وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعد ما بكتهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
أَنِ امْشُوا
قائلين بعضهم لبعض امشوا
وَاصْبِرُوا
واثبتوا
عَلى
شرح
عُجابٌو « آلها » مفعول ثان « لجعل » لأنه بمعنى ضير أي صيرهم إلها واحدا في قوله وزعمه لأن ذلك في العقل محال ، إذ لا يقدر أحد أن يجعل الجماعة إنسانا واحدا مثلا . قوله :
( بليغ في العجب ) فإن العجاب بمعنى العجيب وهو الأمر الذي يتعجب منه ، إلا أن العجاب أبلغ منه . والعجاب بالتشديد أبلغ من العجاب بالتخفيف كما أن الكرام مشددا أبلغ من المخفف . قوله : ( ولا تمل كل الميل عليهم ) أي لا تظلمهم . يقال : مال عليه إذا ظلمه .
قوله : ( ويدين لكم ) أي يطيعكم الدين الطاعة ودان له أي أطاعه . قوله : ( قالوا نعم وعشرا ) وعد منهم بإعطاء تلك الكلمة بشرط أن يتركهم ولا يلزمهم العدول عما يدينون ويترك ذكر آلهتهم . وقوله عليه الصلاة والسّلام : « قولوا لا إله إلا اللّه » إلزام بإعطاء ما وعدوه قبل أن يتحقق منه الترك ، لأن الأمر والإلزام ينافي الترك فكيف يصح أن يطلب منهم إنجاز ما وعدوه مع الإلزام عليهم ؟ والجواب أن مقصوده صلّى اللّه عليه وسلّم عرض الكلمة التي يطلبها منهم بعد تركهم وآلهتهم لا الإلزام في الحال ، فإن قيل : ما وجه قوله عليه الصلاة والسّلام : إن أعطيتكم ما سألتم من ترك ذكر آلهتكم مع أن إعطاء هذا المسؤول إياهم يستلزم ترك ذكر كلمة التوحيد لأنها ذكر لآلهتهم بالنفي وهذه الكلمة لا يصح تركها ؟ قلنا : لعله عليه الصلاة والسّلام أضمر أن لا يذكر آلهتهم بصريح أسمائهم قوله : ( وانطلق أشراف قريش ) إشارة إلى أن الملأ الأشراف لا مطلق الجماعة كما في الصحاح . ويقال للأشراف : ملأ لأنهم إذا حضروا مجلسا امتلأت العيون من وجاهتهم والقلوب من مهابتهم . والتبكيت إسكات الخصم بالفصاحة وإلزامه بالحجة . قوله : ( قائلين بعضهم لبعض امشوا ) بيان لحاصل المعنى لا تقدير لكون « أن » مفسرة لمفعول صريح القول المقدر فإنه خلاف المشهور فلذلك لم يأت بأن فيه . قوله :