إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
( 23 ) سماع تفهم واستبصار فإن الحكمة فيه ظاهرة .
وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ
مقدر « بأن » كقوله شعر :
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
شرح
انفصل منه واتصل بالكبد يسمى روحا طبيعيا ويتعلق به أحوال المعدة والطبخ والأفعال النباتية ، والذي يتصاعد منه إلى جانب الدماغ بواسطة الشرايين يسمى روحا نفسانيا وتنوط به الأفعال الحيوانية وهو لغاية لطافته يسري وينفذ في جميع العروق والأعضاء واللّه أعلم . ولا شيء من القوى الطبيعية تتعطل بالنوم حتى يكون النوم استراحة لها لكنها تتقوى بسببه بخلاف القوى النفسانية فإن أكثرها يتعطل بالنوم فيكون النوم سببا لاستراحتها ، ولما لم يكن النوم مختصا بالليل لكون القيلولة وقت الظهيرة عادة أكثر الناس وكذا لم يكن طلب المعاش مختصا بالنهار لوقوعه في الليل أيضا ، قدم احتمال أن لا تكون الآية من قبيل اللف والنشر حيث قال : « منامكم في الزمانين وطلب معاشكم فيهما » ثم ذكر احتمال كون الآية من باب اللف حيث ذكر في تفسيرها ما يدل على اختصاص كل واحد من الزمانين بواحد من الفعلين فقال : « أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار » فخص كل واحد من الفعلين بزمان على حدة واقتصر على عطف أحد الفعلين على الآخر ولم يعطف أحد الزمانين على الآخر بل خص كل زمان بما وقع فيه من الفعل ليظهر أن النظم وارد على طريق اللف ثم قال : « فلف » أي ذكر الزمانين ، ثم ذكر ما وقع في كل واحد منهما من غير تعين أن ما وقع في كل واحد منهما أي فعل من الفعلين المذكورين اعتمادا على كون التعيين معلوما للسامع . فإن اللف عبارة عن ذكر متعدد مع ذكر ما لكل من آحاد ذلك المتعدد من غير تعيين اعتمادا على أن السامع يرد ما لكل من آحاد المتعدد المذكور إلى ما هو له ثم قال : « ويؤيد الاحتمال الثاني قوله تعالى :وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ[ الإسراء : 12 ] وقوله تعالى :وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً[ النبأ : 10 - 11 ] . قوله : ( فإن الحكمة فيه ) أي في جعل الزمانين محلا للفعلين ظاهرة أشار به إلى وجه تخصيص هذه الآية بقوله :لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَوالآية السابقة بقوله :لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَقوله : ( مقدر بأن ) المصدرية حتى تكون مع ما في حيزها مبتدأ وما قبلها خبره على وفق نظائره ، ولما حذفت « أن » بطل عملها وعاد الفعل مرفوعا كما في قوله :( ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى )ويروى برفع « أحضر » ونصبها . وحسن حذف « أن » فيه لدلالة ما بعده عليه وهو قوله :( وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي )