وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
أي في أصل الإنشاء لأنه خلق أصلهم منه .
ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
( 20 ) ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض .
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
لأن حواء خلقت من ضلع آدم وسائر النساء خلقن من نطف الرجال ، أو لأنهن من جنسهم لا من جنس آخر .
لِتَسْكُنُوا إِلَيْها
لتميلوا إليها وتألفوا بها فإن الجنسية علة للضم والاختلاف سبب للتنافر .
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
أي بين الرجال والنساء أو بين أفراد الجنس .
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
بواسطة الزواج حالة الشبق وغيرها بخلاف سائر الحيوانات نظما لأمر المعاش ، أو بأن تعيش الإنسان متوقف على التعارف والتعاون المحوج إلى التواد والتراحم . وقيل :
شرح
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِإلى آخره فهذه الآية كالدليل على قوله اللّه :يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ[ الروم : 27 ] . قوله تعالى :( وَمِنْ آياتِهِ )خبر مقدم لقوله :أَنْ خَلَقَكُمْأي ومن آياته الدالة على كمال قدرته المستلزم لوحدانيته وتفرده في الألوهية خلق أصلكم من تراب ثم بثكم ونشركم على وجه الأرض . و « ثم » للتراخي الرتبي بيّن بثهم وانتشارهم في الأرض وبيّن كونهم مخلوقين من أصل واحد . و « إذا » المفاجأة للدلالة على أن ذلك البث والانتشار لم يكن بعد انقضاء زمان مديد منذ زمان خلق أصلكم . قوله : ( تنتشرون ) صفة لبشر لأن المراد به الجنس .
قوله : ( لأن حواء خلقت من ضلع آدم عليه الصلاة والسّلام ) أي من عظم جنبه جعل ضمير لكم وأنفسكم متناولا لآدم عليه الصلاة والسّلام ولمن بعده من آباء النساء فهم أموات لا يصلحون للخطاب بطريق تغليب الأحياء على الأموات ، إذ مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد غير مرعي في هذا التوجيه والظاهر أنه جعل ذلك الأصل أكثريا لا كليا . قوله : ( أو لأنهن من جنسهم ) يعني أن قوله : « من أنفسكم » بمعنى من جنسكم كما في قوله تعالى :لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ[ التوبة : 128 ] ويدل عليه قوله :لِتَسْكُنُوا إِلَيْهافإن سكون النفس وميل القلب لا يتوقف على كون المسكون إليه منفصلا منه وإنما يتوقف على الاتحاد في الجنس فإن الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر . قوله : ( حالة الشبق وغيرها ) لف ونشر على ترتيب قوله :مَوَدَّةً وَرَحْمَةًفإن كل واحد من الزوجين يود صاحبه حال شبابهما وغلبة شهوتهما ويعطف عليه ويرحمه حال كبرهما رعاية لحق قدم المصاحبة وإن انقطعت حاجة نفسه إليه ، فإن العطف الواقع في تلك الحال ليس بسبب المحبة وإنما هو بسبب الرحمة . قوله : ( أو بأن تعيش الإنسان إلى آخره ) ناظر إلى قوله : « أو بين أفراد الجنس » مع قطع النظر عن علاقة الأزواج .