تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
تلا هذه الآية فقال : « العالم من عقل عن اللّه فعمل بطاعته واجتنب سخطه » .
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
محقا غير قاصد به باطلا ، فإن المقصود بالذات من خلقهما إفاضة الخير والدلالة على ذاته وصفاته كما أشار إليه بقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
( 44 ) لأنهم المنتفعون بها
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ
تقربا إلى اللّه بقراءته وتحفظا لألفاظه واستكشافا لمعانيه . فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه .
وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
بأن تكون سببا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها من حيث إنها تذكر اللّه وتورث للنفس خشية منه . روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الصلوات ولا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه فوصف له فقال :
شرح
بيّن أن إصرارهم ذلك ليس لانعدام الآيات الدالة على وحدانية الإله وكمال علمه وقدرته وحكمته ، لأن خلق السماوات والأرض ملتبسا بالحق والحكمة البالغة آية دالة على ما ذكر آية آية إلا أن هذه الآيات العظمى لا يجعلها مسرح النظر ومطرح الفكر ليستدل على وجود صانع حكيم يستحق لأن يعبد ويطاع في جميع ما أمر به ونهى عنه إلا من علم اللّه تعالى أنه يؤمن ويتقي ، فإنه هو المنتفع بها دون من أعرض عنها وأبى واستكبر واتبع هواه وآثر اللذات العاجلة على السعادة الأبدية . ثم إنه تعالى لما بيّن أن من خالف الحق إنما يخالفه عنادا واستكبارا لا لمقصود في البيان والبرهان ، أمر رسوله عليه الصلاة والسّلام بالمواظبة على تلاوة ما أوحي إليه وإقامة الصلاة وخصهما من بين سائر العبادات بالأمر بهما لأن العبادات المختصة بالعبد ثلاث : قلبية وهي اعتقاد الحق ، ولسانية وهي الذكر الحسن ، وبدنية خارجية وهي العمل الصالح . لكن الاعتقاد لا يتكرر فإن من اعتقد شيئا لا يمكنه أن يعتقده مرة أخرى بل يدوم ذلك الاعتقاد ويستمر إلى أن يطرأ عليه ضده ، فلما لم يمكن تكرير العبادة القلبية أمر بتكرير التلاوة الجامعة لجميع الأذكار وبتكرير إقامة الصلاة التي هي معظم العبادات البدنية . قوله : ( بأن تكون سببا للانتهاء إلى آخره ) جواب عما يقال : كم من مصل يرتكب الفحشاء وهي الفعلة القبيحة والمنكر وهو ما ينكره الشرع والعقل ولا تنهاه صلاته عنهما . وتقرير الجواب أن الصلاة التي يصليها المرء بلا رياء ولا سمعة بأن يصليها خالصا لوجهه الكريم مناجيا له بأنواع التذلل والتواضع لا جرم تذكر اللّه تعالى وتورث النفس خشية منه تعالى فتكون سببا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وبعد الفراغ منها أيضا إلى أن يطرأ عليه شيء من الغفلة . ثم إن الصلاة متكررة واحدة بعد واحدة فيدوم ذلك التذكر والخشية وبدوامه يدوم الامتناع عن المعاصي . فجعل الصلاة ناهية على طريق إسناد الحكم إلى سبب سببه فإن الصلاة سبب للتذكر والخشية وهما سببان لانتهاء العبد عن المعاصي .