مانعا عن اتباعهم وإيمانهم بما يدعوهم إليه دليلا على بطلانه . وأشاروا بذلك إلى أن اتباعهم ليس عن نظر وبصيرة وإنما هو لتوقع مال ورفعة فلذلك
قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 112 ) أنهم عملوه إخلاصا أو طمعا في طعمة و
« ما »
على الاعتبار الظاهر .
إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي
ما حسابهم على بواطنهم إلا على اللّه فإنه المطلع عليها
لَوْ تَشْعُرُونَ
( 113 ) لعلمتم ذلك ولكنكم تجهلون فتقولون ما لا تعلمون .
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ
( 114 ) جواب لما أوهم قولهم من استدعاء طردهم وتوقيف إيمانهم عليه حيث جعلوا اتباعهم المانع عنه . وقوله :
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
( 115 ) كالعلة له أي ما أنا إلا رجل مبعوث لإنذار المكلّفين عن الكفر والمعاصي سواء كانوا أعزاء أو أذلاء ، فكيف يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء ؟ أو ما عليّ إلا إنذاركم إنذارا بينا بالبرهان الواضح ولا عليّ أن أطردهم لاسترضائكم
قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ
عما تقول
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ
( 116 ) من المشتومين أو المضروبين بالحجارة
قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ
( 117 ) إظهارا لما يدعو عليهم لأجله وهو تكذيب الحق لا تخويفهم له واستخفافهم عليه .
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً
فاحكم بيني وبينهم من الفتاحة
وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 118 ) من قصدهم أو شؤم عملهم
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
( 119 ) المملوء
ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ
بعد إنجائه
الْباقِينَ
( 120 ) من
شرح
لقلة جاههم ومالهم . قوله : ( وإيمانهم ) معطوف على اتباع المقلين ودليلا معطوف على مانعا أي وجعلوا إيمان المقلين دليلا على بطلان ما يدعوهم نوح إليهم . قوله : ( وما علمي ) الظاهر أن « ما » فيه استفهامية في محل الرفع على الابتداء و « علمي » خبره . ويجوز أن تكون نافية والباء متعلقة بعلمي على التقديرين وعلى الثاني لا بد من إضمار الخبر ليتم الكلام .
قوله : ( إظهارا لما يدعو عليهم لأجله ) يعني أن قوله :رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِلم يقله نوح إفادة له تعالى بمضمون هذا الخبر ولا إعلاما بكونه عالما بمضمونه لعلمه أنه تعالى عالم الغيب والشهادة ، ولكن أراد به أني لا أدعو عليهم لأجل تخويفهم إياي بالرجم واستخفافهم إياي بقولهم : أوَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَوإنما أدعو عليهم لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتكفَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاًأي فاقض واحكم بيني وبينهم قضاء وحكما ، من الفتاحة وهي الحكومة والفتاح الحاكم سمي به لفتحه المنغلق من الأمر كما سمي فيصلا لفصله بين الخصومات ، وأراد به الحكم بإنزال العقوبة لقوله عقيبه :وَنَجِّنِيولولا أن المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى وقوله :تَعْبَثُونَ[ الشعراء : 128 ] جملة حالية من فاعل « تبنون » والريع بكسر الراء وفتحها جمع ريعة وهي في اللغة المكان المرتفع وكانوا يبنون في المواضع المرتفعة من الطريق إعلاما طوالا ليهتدي