النفس وعدم الثقة بالخاتمة ، أو على طريقة قول المدل بأمره : إن أحسنت إليك فلا تنس حقي .
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي
وذلك بعد سنين أقام بين أظهرهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتوا وفسادا . وقرأ ابن كثير ونافع « أن أسر » بكسر النون ووصل الألف من سرى . وقرىء « أن سر » من السير .
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
( 52 ) يتبعكم فرعون وجنوده وهو علة الأمر بالإسراء أي أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر ، بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر فيدخلون مدخلكم فأطبقه عليهم فأغرقهم .
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ
حين أخبر بسراهم .
فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ
( 53 ) العساكر ليتبعوهم
إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ
( 54 ) على إرادة القول وإنما استقلهم وكانوا ستمائة وسبعين ألفا بالإضافة إلى جنوده . إذ روي أنه خرج وكانت مقدمته سبعمائة ألف . والشرذمة الطائفة القليلة ومنها :
ثوب شراذم لما يلي وتقطع . و
« قَلِيلُونَ »
باعتبار أنهم أسباط كل سبط منهم قليل .
وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ
( 55 ) لفاعلون ما يغيظنا
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ
( 56 ) وإنا لجميع من عادتنا الحذر . واستعمال الحزم في الأمور أشار أولا إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم ووجوب التيقظ في شأنهم حثا عليه . واعتذر
شرح
كونه تعليلا للعلة المتقدمة . قوله : ( أو على طريقة قول المدل بأمره ) أي الواثق به يقال : أدل بالأمر إذا وثق به واعتمد عليه . قوله : ( من سرى ) يعني أن سرى وأسرى لغتان بمعنى يقال :
سرى يسري بالكسر سرى بالضم وسرى بالفتح وأسرى أيضا أي سار ليلا . روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه . وروي أن اللّه تعالى أوحى إلى موسى : أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت ثم اذبحوا الحد أو اضربوا بدمائها على أبوابكم فإني آمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم ، وسآمرهم بقتل أولاد القبط واخبزوا خبزا فطيرا فإنه أسرع لكم ، والفطير خلاف العجين أي الذي لا يختمر وكل شيء أعجلته عن إدراكه فهو فطير ، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري وموسى لا يشعر به . قوله : ( لفاعلون ما يغيظنا ) أي ما يغضبنا . يقال :
غاظه وأغاظه وغيظه إذا أغضبه . والأول أشهر وأكثر . واختلف في الفعل الذي غاظهم وضاقت به صدورهم ؛ فقيل : إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون : إن لنا في هذه الليلة عيدا ، فاستعاروا حليهم وحللهم بهذا السبب ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر . فمرادهم بالفعل الذي غاظهم ما أخذوه من العواري . وقيل : المراد به خروجهم عن عبودية فرعون واستقلالهم بأنفسهم . وقيل : المراد به مخالفتهم في الدين وخروجهم عنه .