تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
محققين لها علمتم أن هذه الأجرام المحسوسة ممكنة لتركبها وتعددها وتغير أحوالها ، فلها مبدأ واجب لذاته وذلك المبدأ لا بد وأن يكون مبدأ لسائر الممكنات ما يمكن أن يحس بها وما لا يمكن ، وإلا لزم تعدد الواجب أو استغناء بعض الممكنات عنه وكلاهما محال . ثم ذلك الواجب لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته .
شرح
وأنه تعالى لما قال لهمافَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَاستلزم ذلك أنهما أتياه وقالا له ذلك حين دخلا عليه ، فعند ذلكقالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَيسأل به عن حقيقته الخاصة ويقول : أي شيء هو ، مما يطلق عليه اسم الشيء كأنه يريد به التعريض بإنكار الإله . ويدل عليه قوله تعالى بعد هذا حكاية عنهلَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ[ الشعراء : 29 ] فأجابه عليه الصلاة والسّلام بما فيه إنكار إلهيته وأن يكون ربّا للعالمين تعريضا حيثقالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَاكأنه قال : أنت أحقر من ذلك وأذل فإن رب العالمين رب السماوات والأرض ومدبر أمرهما وأمر أهلهما على التفصيل . ثم قال : إن كنت أنت وهؤلاء البهائم الذين اتخذوك إلها وسموك برب العالمين من الذين يحققون الأشياء بالنظر الصحيح الذي يؤديهم إلى الإيقان ، علمتم أن العالم عبارة عن كل ما يعلم به الخالق من السماوات والأرض وما بينهما ، وأن ربها هو الذي خلقها ورزق من فيها ودبر أمورها ، فيجب أن يكون واجبا لذاته مبدأ لجميع الممكنات ، وعلمتم أيضا أن ذلك الواجب لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية ، فتعجب اللعين من جوابه فقال :لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَاطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية ويزعم أن السماوات ممكنة مربوبة وهي واجبة متحركة لذاتها . فثنى عليه الصلاة والسّلام بقوله :رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَاستدل أولا بإمكان الأجرام العلوية والسفلية واحتياجها إلى مؤثر واجب لذاته على وجود رب يسند إلى جميع الموجودات ، ثم خص من جملة الموجودات بأسرها ما هو أقرب بالنسبة إلى المستدل وهو نفسه ومن ولد هو منه . فإن دليل الأنفس أقرب من دليل الآفاق وأظهر دلالة على المؤثر القادر الحكيم فعدل إليه إشعارا بغباوتهم . وأيضا يمكن أن يتوهم كون السماوات والأرضين واجبة لذاتها غنية عن الخالق ولا يتوهم ذلك في أنفسهم وآبائهم وأجدادهم ، لأن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم وعدموا بعد الوجود وما كان كذلك استحال أن يكون واجبا لذاته ووجب أن يكون وجوده مستندا إلى مؤثر واجب لذاته ، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر ، فلهذا عدل موسى عليه الصلاة والسّلام إليه . وقوله : « ويشك » منصوب معطوف على « أن يتوهم » وقوله : و « يكون » مرفوع معطوف على قوله : « لا يمكن » . فعند ذلك احتد اللعين وغضب ونسبه إلى الجنون استكبارا وعنادا قائلا : المقصود
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 331 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين