وَلا يَزْنُونَ
نفى عنهم أمهات المعاصي بعد ما أثبت لهم أصول الطاعات إظهارا لكمال إيمانهم وإشعارا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك وتعريضا للكفرة بأضداده ، ولذلك عقبه بالوعيد تهديدا لهم فقال :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً
( 68 ) جزاء إثم أو إثما بإضمار الجزاء . وقرىء « أياما » أي شدائد يقال : يوم ذو أيام أي صعب .
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
بدل من يلق لأنه في معناه كقوله :
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
شرح
المرء المسلم وهو : الردة بعد الإيمان والزنى بعد الإحصان وقتل النفس المعصومة من غير أن يطرأ عليها ما يوجب قتلها ، فإن الأضل في النفوس البشرية العصمة وحرمة القتل وحقن الدماء وجواز القتل إنما يثبت بعارض ، فمن يحل قتله بسبب العارض يدخل في النفس التي حرم اللّه قتلها نظرا إلى حد نفسها . قوله : ( نفى عنهم أمهات المعاصي بعدما أثبت لهم أصول الطاعات الخ ) كأنه جواب عما يقال : ما الفائدة في نفي هذه القبائح ؟ فإن الموصوف بالخصال المرضية السابقة يبعد منهم ارتكاب هذه القبائح فلا وجه لنفيها عنهم ، لأنه إنما يحسن نفي صفة عن أحد إذا كانت الصفة المنفية مما يتوهم ثبوتها له . وتقرير الجواب أن الاتصاف بالخصال السابقة لا يستلزم الاجتناب عن هذه القبائح فإن الموصوف بتلك الصفات قد يتدين بالشرك ويقتل النفس بغير حق ويتلبس بالزنى ، فبيّن اللّه تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يجتنب الكبائر أيضا إلا أنه خص من الكبائر أمهاتها وأشعر بذلك أن الأجر المذكور بقوله :أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا[ الفرقان : 75 ] الآية موعود للجامعين بين التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل . وفي هذا النفي أيضا تعريض بما كان عليه الكفار كأنه قيل : وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع اللّه إلها آخر وأنتم تدعون ، ولا يقتلون نفسا بغير حق وأنتم تقتلون ، ولا يزنون وأنتم تزنون ويحسن النفي تعريضا وإن لم يكن المنفي عنه مظنة لثبوت المنفي له . روي عن ابن عباس أنه قال : إن أناسا من أهل الشرك قتلوا وزنوا فأكثروا ثم أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : إن الذي تدعونا إليه لحسن لو تخبرنا بأن لما عملنا كفارة . فنزلت . قوله : ( جزاء إثم أو إثما ) يعني أن الآثام عبارة عن عقوبة الإثم وجزائه وقد يطلق على نفس الإثم . فإن كان المراد به في الآية نفس الإثم فلا بد من تقدير المضاف لأن الآثم لا يلقى نفس إثمه بل يلقى جزاءه . قال ابن مسلم : الآثام والإثم واحد والمراد ههنا جزاء الإثم ، فأطلق اسم الشيء على جزائه . وقيل :
الآثام اسم من أسماء جهنم . وقيل : اسم واد في جهنم وقيل : بئر فيها . قوله تعالى :( يُضاعَفْ )مجزوم في قراءة العامة على أنه بدل من الجزاء كما أن قوله : تلمم بنا بدل من الشرط في البيت أبدل تلمم من قوله تأتنا ، لأن الإلمام وإن كان بمعنى النزول إلا أنه في