ومبالغة في الإبعاد به ، ولذلك جعل أبلغ من قوله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
[ الملك : 30 ]
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ
بالماء
جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها
في الجنات
فَواكِهُ كَثِيرَةٌ
تتفكهون بها
وَمِنْها
ومن الجنات ثمارها وزروعها
تَأْكُلُونَ
( 19 ) تغذيا أو ترتزقون وتحصلون معايشكم من قولهم : فلان يأكل
شرح
الرزق والبركات عليهم منها وينتفعوا بمنافعها ، فنحن لسنا غافلين عنهم وعما يصلحهم . ثم إنه تعالى استدل على ذلك بنزول المطر وكيفية تأثيراته في النبات فقال تعالى :وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍأي إنزالا ملتبسا بتقدير يكثر نفع ذلك التقدير ويقل ضرره . فقوله : « بقدر » صفة مصدر محذوف ، وأما إن كان القدر بمعنى المقدار فحينئذ يكون صفة لقوله ماء والتقدير : لا يقتضي مقيسا عليه بخلاف المقدار فلذلك أضاف المقدار إلى المقيس عليه ، ولم يصف التقدير إليه . واختلف المفسرون رحمة اللّه تعالى عليهم في أن المراد بالسماء ما هو ؟ فذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بها المظلة الخضراء وأن مياه الأرض كلها نازلة منها وجعل اللّه تعالى منافع الأرض متصلة بمنافع السماء مع بعد ما بينهما ، وبيّن ذلك بأن منشئهما ومدبرهما واحد عالم بذاته . وذهب الآخرون إلى أن المراد بها السحاب وسماه سماء لسموه وارتفاعه والمعنى : إنه تعالى أصعد الأجزاء المائية من البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية ، ثم أنزل تلك المياه لتفرقتها في قعر الأرض . واللّه تبارك وتعالى أعلم بحقيقة الحال . ثم إنه تعالى امتنّ علينا بإبقاء الماء الذي هو قوام مصالح الدنيا والدين قال تعالى :وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِأي بالماء لقادرون . وروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند ، وجيحون وهو نهر بلخ ، ودجلة والفرات وهما نهر العراق ، والنيل وهو نهر المصر أنزلها اللّه تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل عليه السّلام واستودعها الجبال فأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معاشهم ، وذلك قوله تعالى :وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِفإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل اللّه تعالى جبريل عليه الصلاة والسّلام ورفع من الأرض القرآن والعلم كله ، والحجر الأسود من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه ، وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى :وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَفإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد فقد أهلها خيري الدنيا والدين » . واعلم أن الماء نعمة في نفسه وهو مع ذلك سبب لحصول نعم أخرى فلا جرم امتنّ اللّه تعالى أولا بإنزاله وإبقائه ، ثم ذكر ما يحصل به من النعم فقال تعالى :فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍالآية .
قوله : ( أو ترتزقون ) تفسير ثان لقوله تعالى :تَأْكُلُونَفإن الأكل حقيقة في ابتلاع