تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
تفخيما لها وتأكيدا وهي مستعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم ، وإن كان بمقتضى وعده مبالغة فيه . وقيل : إنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فوتوها على أنفسهم لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار .
هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 11 ) أنث الضمير لأنه اسم للجنة أو لطبقتها العليا .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ
من خلاصة سلت من بين الكدر
مِنْ طِينٍ
( 12 ) متعلق بمحذوف لأنه صفة لسلالة . أو « من » بيانية » ، أو بمعنى سلالة لأنها في معنى مسلولة ، فتكون « من » ابتدائية كالأولى .
شرح
وحدة الذات ومعنى الجمع مستفاد من توسط الواو العاطفة بينها والحصر المستفاد من قوله تعالى : فأولئكهُمُ الْوارِثُونَمن قبيل حصر الكمال وأشار إليه بقوله : « الأحقاء بأن يسموا وراثا » والوارث هو الباقي بعد فناء المورث والقائم مقامه في الاستعداد بما يستحقه مورثه . فالجامعون لهذه العبارات والأوصاف المذكورة من حيث بقاؤهم بعد فناء أعمالهم التي هي من قبيل الأعراض ، بمنزلة الوراث الباقين بعد فناء مورثهم من حيث إن تلك الأعمال أورثتهم ما وعدهم اللّه تعالى بإزائها من الثواب الجزيل . قوله : ( وقيل إنهم يرثون من الكفار ) روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه عليه السّلام : « ما منكم من أحد إلا له منزلان : منزل في الجنة ومنزل في النار فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله ، وذلك قوله تعالى :أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَوروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « خلق اللّه تعالى ثلاثة أشياء : خلق آدم بيده ، وكتب التوراة بيده ، وغرس الفردوس بيده ثم قال : وعزتي وجلالي لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث » . قالوا : يا رسول اللّه قد عرفنا مدمن الخمر فما الديوث ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « هو الذي يقر السوء لأهله » . قوله : ( من خلاصة ) يعني أن السلالة ما سل من الشيء أي نزع واستخرج على وجهه التصفية والتخليص من كدره . قال صاحب الديوان : فعالة اسم لما بقي بعد المصدر ، فالسلالة ما بقي بعد السل كالنخالة والبراية لما بقيا بعد النخل والبري . وفيها دلالة على القلة فإذا قبضت على الطين بكفك فخرج من بين أصابعك صرفه وخالصه فهي سلالة . وقال أبو عوسجة : السلالة الخالص من كل شيء . وقيل : سمي التراب الذي خلق منه آدم سلالة لأنه سل من كل تربة ، وسمي الولد سلالة لأن أصله وهو الماء سل من تحت كل شعرة . فقول صاحب الديوان رضي اللّه تعالى عنه مخالف لقول غيره . واختار المصنف قول غيره رحمة اللّه تعالى عليهم . و « من » الأولى ابتدائية متعلقة « بخلقنا » والثانية تبعيضية متعلقة بمحذوف وهو صفة لسلالة أي خلقناه من سلالة كائنة من طين . ويجوز أن تكون الثانية لبيان الجنس كما في قوله تعالى :فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ[ الحج : 30 ] على تقدير أن تكون السلالة هو الطين . قوله : ( أو بمعنى سلالة ) عطف على قوله : « بمحذوف » أي أو « من » الثانية متعلقة بمعنى
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 149 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين