وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ
( 4 ) وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة ليدل على أنهم بلغوا الغاية في القيام على الطاعات البدنية والمالية ، والتجنب عن
شرح
أمور : أحدها قوله تعالى :أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها[ محمد : 24 ] والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى وقوله تعالى :وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا[ المزمل : 4 ] معناه ، واللّه تبارك وتعالى أعلم ، أنكم قفوا على عجائبه ومعانيه . وثانيها قوله :وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِيفظاهر الأمر للوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيما للصلاة بذكره تعالى . وثالثها قوله تعالى :وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ[ الأعراف : 205 ] فظاهره التحريم وقوله تعالى :حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ[ النساء : 43 ] تعليل لنهي السكران عن قربان الصلاة ، وهو مطرد في الغافل المستغرق المهتم بالدنيا . ورابعها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما الصلاة تسكن وتواضع » . فكلمة « إنما » للحصر وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من اللّه تعالى إلا بعدا » فصلاة الغافل لا تمنع عن الفحشاء . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب » . وما أراد به إلا الغافل . وقيل : أجمعت العلماء رضي اللّه تعالى عنهم على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب منها له سدسها ولا عشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها » . يعني لا يقبل من صلاته إلا ما عقل منها . والصلاة وإن لم تقبل التجزي جوازا وفسادا إلا أنها تقبل التجزي قبولا ، وبين الأمرين فرق . وعن بشر الحافي أنه قال : من لم يخشع فسدت صلاته . وعن الحسن رضي اللّه عنه : كل صلاة لا يحصر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع . وعن معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه : من عرف من على يمينه وشماله متعمدا وهو في الصلاة فلا صلاة له . قال الغزالي : المصلي يناجي ربه كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة له لأنها لا تتحقق ، إلا إذا كان اللسان معبرا عما في القلب من التضرعات . ولا شك أن المقصود من القرآن والأذكار والحمد والثناء والتضرع والدعاء خطاب ، والمخاطب هو اللّه تعالى فإذا كان القلب محجوبا بحجاب الغفلة وكان غافلا عن جلال اللّه تعالى وكبريائه ، ثم إن لسانه يتحرك بحكم العادة فإنه بعيد عن القبول . وكذا المقصود من الركوع والسجود ليس إلا تعظيمه تعالى والامتثال لأمره تعالى وإيقاع هذه الأفعال لقصد التعظيم والامتثال لا يمكن مع غفلة القلب عن المعبود والمقصود تعظيمه . ولو جاز أن تكون هذه الأفعال تعظيما للّه تعالى مع أن القلب غافل عنه ، لجاز أن تكون تعظيما لصنم بجنبه وهو غافل عنه . ومما يدل على أن الصلاة لا بد فيها من الخشوع والحضور أن الفقهاء اختلفوا فيما ينويه المصلي بالسلام عند الجماعة والانفراد ، هل ينوي الحضور أو الغيب والحضور معا ؟ فإذا احتيج إلى التدبر في معنى السّلام الذي هو آخر الصلاة احتيج إلى