أجمع والنفس أميل إلى الاستراحة فكانت العبادة فيه أحمز . ولذلك قال تعالى :
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
[ المزمل : 6 ]
وَأَطْرافَ النَّهارِ
تكرير لصلاتي الصبح والمغرب إرادة الاختصاص ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الإلباس كقوله :
ظهراهما مثل ظهور الترسين
أو أمر بصلاة الظهر فإنها نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الآخر
شرح
هو الليل . يعني قدم قوله :وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِعلى عامله وأخر عنه قوله :قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهااهتماما بشأن الليل حيث إن ما كان بالليل من العبادة أفضل مما كان بالنهار لأن الشواغل الداعية إلى تفريق الخواطر تقل بالليل ، فيكون ما وقع فيه من العبادة مقرونا بحضور القلب وموافقة القلب اللسان فيكون أدخل في استحقاق الأجر والفضل .
وأيضا النفس فيه أميل إلى الاستراحة فإن العبادة الناشئة أي الحادثة في الليل أشد وطأ أي كلفة أو ثبات قدم وأقوم قيلا أي أشد قراءة لانتفاء الشواغل .
قوله : ( ومجيئه بلفظ الجمع ) جواب عما يقال : النهار له طرفان فكيف قيل :وَأَطْرافَ النَّهارِ ؟والظاهر إيراد لفظ التثنية كما قال :وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ[ هود : 114 ] ؟
وتقرير الجواب : أنه ذكر لفظ الجمع في موضع ذكر لفظ التثنية لعدم التباس المراد ، فإنه لا يلتبس على أحد أن النهار له طرفان لا غير . وذكر لفظ التثنية في آية أخرى للتنصيص على المراد وزيادة البيان كما عبّر الشاعر عن الأمرين تارة بلفظ التثنية وأخرى بلفظ الجمع في قوله :( ظهراهما مثل ظهور الترسين ) * لذلك وقبله ومهمهين فدفدين مرتينوبعده جبتهما بالنعت لا بالنعتينالمهمة المفازة البعيدة . والفدفد الأرض المستوية . والمرة بسكون الراء المفازة التي لا نبات بها ولا ماء ، وجبتهما أي قطعتهما ولم ينعتا لي إلا مرة واحدة بنعت واحد لا بنعتين ليتميز كل واحد من المهمهين عن الآخر . يصف الشاعر نفسه بالفطانة والخبرة في سلوك المفاوز وبالجراءة والإقدام على المهالك ، وإنما قال : « ظهور الترسين » كراهة الجمع بين التثنيتين إحداهما في المضاف وثانيتهما في المضاف إليه كقوله تعالى :فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما[ التحريم : 4 ] قوله : ( أو أمر بصلاة الظهر ) عطف على قوله تعالى تكرير لصلاتي الصبح والمغرب فإن قوله :وَأَطْرافَ النَّهارِمنصوب بالعطف على محل قوله :وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِكأنه قيل : وسبح أطراف النهار التي هي ما بعد الزوال وما قبله . وعبّر بلفظ « أطراف » باعتبار أنه ذو حظ من طرفي النهار ولا بد مع هذا الاعتبار من الذهاب إلى قول من قال : أقل الجمع اثنان . قوله : ( فإنها نهاية النصف الأول ) أي فإنها تصلى عند الزوال الذي هو نهاية