تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 640

مساهمون:

ص٦٤٠
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً
أي فألقي فتلقفت فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر وإنما هو من آيات اللّه ومعجزة من معجزاته ، فألقاهم ذلك على وجوههم سجدا للّه توبة عما صنعوا وأعتابا وتعظيما لما رأوا .
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى
( 70 ) قدم هارون لكبر سنه أو لروي الآية أو لأن فرعون ربى موسى في صغره . فلو اقتصر على موسى أو قدم ذكره فربما توهم أن المراد فرعون وذكر هارون على الاستتباع . روي أنهم رأوا في سجودهم الجنة ومنازلهم فيها .
شرح
والإتيان يعبر بهما عن الكون والإقبال يقال : أينما ذهبت وأتيت فأنت كذا أي أينما كنت وأقبلت . قوله : ( فألقاهم ذلك ) أي تحقق أن ما أظهره موسى عليه الصلاة والسّلام ليس بسحر بل هو معجزة إلهية . والأعتاب الرجوع عما كان عليه من الإساءة إلى الاسترضاء والإطاعة . والروي آخر الحروف من فواصل الآية . قيل : لما ألقى موسى عصاه فإذا هي أعظم من حبالهم ، ثم أخذت تزداد عظما حتى ملأت الوادي ، ثم صعدت حتى علقت ذنبها بطرف القبة وكانت ضربت لفرعون قبة يجلس فيها وينظر إليهم وكان طول القبة سبعين ذراعا ، ثم هبطت فأكلت كل ما عملوا من الكيد والناس ينظرون إليها لا يحسبون إلا أنها سحر ، ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعا فصاح فرعون بموسى فأخذها فإذا هي عصا كما كانت ، ونظر السحرة فإذا هي لم تدع من حبالهم وعصيهم شيئا إلا أكلته فعرفوا بذلك أنه ليس بسحر وقالوا : لو كانت سحرا لبقيت الأشياء . واستدلوا بتغير أحوال الأجسام على وجود الصانع العالم القادر فإن كل عاقل يعلم بالضرورة أنه لا يقدر على إيجاد الحيوان من الجماد وتعظيم جثتها جملة واحدة ، ثم تصغيرها وتصييرها كما كانت جملة واحدة إلا الإله القادر على كل شيء . واستدلوا بظهورها على يد موسى على كونه رسولا صادقا من عنده تعالى فلا جرم تابوا وآمنوا بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود . قال الزمخشري : ما أعجب أمرهم ألقوا حبالهم للكفر والجحود ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود ، ولما خاف فرعون أن يصير ذلك سببا لاقتداء سائر الناس بهم في الإيمان باللّه ورسوله ألقى لهم في الحال شبهتين : الشبهة الأولى قوله لهم :آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْيعني أنكم اعتمدتم في الإيمان به والاتباع له على أول خاطر خطر ببالكم من غير بحث ومناظرة وإمعان مرة بعد أخرى في أمره ، فلم يكن إيمانكم عن بصيرة . والشبهة الثانيةإِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُفي علم السحر فاصطلحتم على أن تظهروا العجز عن معارضته ترويجا لأمره وتعظيما لشأنه . ثم هددهم صرفا لهم عن الإيمان وتنفيرا لغيرهم عن الاقتداء بهم فقال : لأقطعنأَيْدِيَكُمْالآية وبناء التقطيع والتصليب لتكثير المفعول .