صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
( 36 ) سبق تفسيره في سورة آل عمران . وقرأ الحجازيان والبصريان بالفتحة على « ولأن » وقيل : إنه معطوف على الصلاة .
شرح
الإرادة به يجري مجرى امتثال المأمور المنقاد لأوامر مولاه ، فعبّر اللّه عن هذا المعنى بهذه العبارة على سبيل الاستعارة التمثيلية . ومن الناس من أجرى الآية على ظاهرها وزعم أنه تعالى إذا أحدث شيئا قال له : « كن » وهذا ضعيف ، لأنه تعالى إما أن يقول له : « كن » قبل حدوثه أو حال حدوثه ، فإن كان الأول كان ذلك خطابا مع المعدوم وهو عبث . وإن كان الثاني فهو حال حدوثه قد وجد بالقدرة والإرادة ، فأي تأثير لقوله كن فيه ؟ ومنهم من زعم أن المراد بقوله :كُنْهو التخليق وهو التكوين وذلك لأن القدرة على الشيء غير تكوين الشيء ، فإنه تعالى قادر في الأزل وغير مكون في الأزل ، ولأنه الآن قادر على عوالم سوى هذا العالم وغير مكون لها ، فالقادرية غير المكونية والتكوين ليس نفس المكون لأنّا نقول :
المكون إنما حدث لأن اللّه تعالى كونه وأوجده ، فلو كان التكوين نفس المكون لكان قولنا :
المكون إنما وجد بتكوين اللّه بمنزلة قولنا : المكون إنما وجد بنفسه وذلك محال ، فثبت أن التكوين غير المكون . فقوله :كُنْإشارة إلى الصفة المسماة بالتكوين . قوله : ( سبق تفسيره ) وهو أن المقصود من هذا الكلام دعوة الخلق إلى الحق وهو الاستكمال بحسب القوة النظرية أصلا ويتفرع عليه الأمر بالتوحيد . فأشار إلى الاستكمال بالاعتقاد الحق الذي عمدته الاعتقاد بوجود الإله المستجمع لجميع صفات الجلال والجمال ووحدته فقال :إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْوفرع عليه الاستكمال بحسب القوة العملية الكائن بملازمة الطاعة التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن النواهي فقال :فَاعْبُدُوهُفإن قيل : إن قائل :إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْلا يصح أن يكون هو اللّه تعالى . قلنا : فيه قولان : الأول أن قائله هو سيد المرسلين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أي قل يا محمد إن اللّه ربي وربكم بعد ظهور أن عيسى عبد اللّه المولود من مريم . والثاني أن قائله هو عيسى وأن الواو فيوَإِنَّ اللَّهَ رَبِّيعطفت ما بعدها على قوله :إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَوفيه ضعف ، لأنه يقتضي وقوع قوله :ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَإلى قوله :كُنْ فَيَكُونُوهو كلام اللّه اعتراضا بين كلامي عيسى ، والاعتراض إنما يكون من كلام المتكلم . ومن قرأ « وأن اللّه » بفتح الهمزة بناها على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده والتقدير : ولأن اللّه ربي وربكم فاعبدوه كقوله تعالى :وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ[ الجن : 18 ] أي ولأن المساجد للّه فلا تدعوا ، واللام متعلقة « بلا تدعوا » والتقدير : فلا تدعوا مع اللّه أحدا في المساجد لأن المساجد للّه . فعلى هذا يعمل ما بعد الفاء السببية فيما قبلها بخلاف الجزائية . وقيل : في وجه هذه القراءة : إنه معطوف على « الصلاة » في قول عيسى أي أوصاني بالصلاة وبأن اللّه ربي . ويؤيده ما في مصحف أبيّ و « بأن اللّه ربي » بإظهار