ابن مريم ، لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعله الموصوف بأضداد ما يصفونه ثم عكس الحكم .
قَوْلَ الْحَقِّ
شرح
عداه . وروي عن عيسى عليه الصلاة والسّلام أنه قال ليحيى : أنت خير مني سلم اللّه عليك وسلمت على نفسي . وأجاب الحسن فقال : إن تسليمه على نفسه تسليم اللّه عليه لأنه إنما فعله بإذن اللّه . قال الإمام : واعلم أن اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى عليه الصلاة والسّلام تكلم في المهد وفي زمان الطفولية ، واحتجوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتواتر الدواعي إلى نقلها فلو وجدت لنقلت بالتواتر ، ولو كان كذلك لعرفه النصارى لا سيما وهم أشد الناس بحثا عن أحواله وأشد الناس غلوّا فيه حتى زعموا كونه إلها . فلما لم يعرفه النصارى مع شدة الحب وكمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد ، ولأن اليهود أظهروا عداوته لما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه عليه الصلاة والسّلام تكلم في زمان الطفولية وادعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد ولكان قصدهم قتله أعظم ، فحيث لم يحصل شيء من ذلك علمنا أنه ما تكلم . وأما المسلمون فقد احتجوا من جهة العقل على أنه تكلم بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءة أمه من الزنى لما تركوا إقامة حد الزنى عليها ، ففي تركهم لذلك دلالة على أنه عليه الصلاة والسّلام تكلم في المهد . وأجابوا عن الشبهة الأولى بأنه ربما كان الحاضرون عند كلامه قليلين فلذلك لم يشتهر ، وعن الثانية بقولهم : لعل اليهود ما حضروا هناك وما سمعوا كلامه وإنما سمع كلامه أقاربه فلذلك لم يشتغلوا بقصد قتله . انتهى كلامه .
قوله : ( وهو تكذيب لهم فيما يصفونه ) من أنه ابن اللّه أو هو اللّه أو ثالث ثلاثة . ووجه التكذيب أنه تعالى أشار إليه عليه الصلاة والسّلام بقوله :ذلِكَأي ذلك الموصوف بهذه الصفات المذكورة بقوله :إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَالخ وأخبر عنه بأنه عيسى ابن مريم ونص على أنه ولد هذه المرأة . وقد ذكر قبل أن أمه لما انتبذت به مكانا شرقيّا أرسلنا إليها روحنا فوهب لها غلاما زكيّا بأن نفخ في قميصها فحملته ووضعته عند جذع النخلة . وهذه المذكورات توصيف له عليه الصلاة والسّلام بأضداد ما يصفه النصارى به فهو تكذيب لهم بما يكون برهانا على كذبهم ، فهو أبلغ من أن يقال لهم : كذبتم فيما وصفتموه به . قوله : ( ثم عكس الحكم ) أي بأنهم حكموا بأنه عليه الصلاة والسّلام هو اللّه أو ابنه فقال تعالى :ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍحيث صرح بنفي الولد عنه وأحاله أي لا يصح له ذلك ولا ينبغي بل يستحيل وأكد بقوله :سُبْحانَهُ[ البقرة : 116 ؛ النساء : 171 ] وآيات أخرى . ثم بيّن استحالة ذلك بقوله :إِذا قَضى أَمْراًفإن قضى هنا بمعنى خلق كما في قوله :فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍوالمراد أنه إذا أراد خلق شيء فإنه يكون من غير توقف على سبب وآلة ، ووجه الدلالة أن من كان كل شأنه ذلك كان منزّها عن اتخاذ الولد لعدم احتياجه حينئذ إلى شيء .