فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ
فألجأها المخاض ، وهو في الأصل متقول من جاء ، لكنه خص به في الاستعمال كاتي في أعطى . وقرىء « المخاض » بالكسر وهما مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج .
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ
لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة وهو ما بين العذق والغصن ، وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خضرة فيها وكان الوقت شتاء . والتعريف إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثمة غيرها . وكانت كالمتعالم عند الناس ولعله تعالى ألهمها بذلك ليريها من آياتها ما يسكن روعتها ويطعمها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها .
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا
استحياء من الناس ومخافة لومهم . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر « مت » من مات يموت
وَكُنْتُ نَسْياً
ما من شأنه أن ينسى ولا يطلب . ونظيره : الذبح لما يذبح . وقرأ حمزة وحفص بالفتح وهو لغة فيه أو مصدر سمي به ، وقرىء به وبالهمزة . وهو الحليب المخلوط بالماء ينسأه أهله لقلته
مَنْسِيًّا
( 23 ) منسى الذكر بحيث لا يخطر ببالهم . وقرىء بكسر الميم على الاتباع .
فَناداها مِنْ تَحْتِها
عيسى . وقيل : جبريل كان يقبل الولد . وقيل : تحتها أسفل من مكانها . وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وروح « من تحتها » بالكسر والجر على
شرح
جميلا . فقال : أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم ألم تعلم أن اللّه أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ، وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته اللّه تعالى من غير بذر ، أو لم تعلم أن اللّه أنبت الشجر بغير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة ، أو لم تعلم أن اللّه تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى . فعند ذلك زالت التهمة عن قلب يوسف فكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وتضييق القلب . فلما دنا نفاسها أوحى اللّه تعالى إليها : أن أخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك ، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ، فلما بلغت تلك البلاد وأدركها النفاس فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة وذلك في زمان برد فاحتضنتها فوضعت عندها .
وثانيها أنها استحيت من زكريا فذهبت إلى مكان بعيد لئلا يعلم بها زكريا عليه الصلاة والسّلام . وثالثها أنها لما كانت في نهاية الشهرة استحيت من هذه الواقعة . ورابعها أنها خافت على ولدها لو ولدته فيما بين أظهرهم . واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وليس في القرآن ما يدل على شيء منها فالأولى السكوت عنها . قوله : ( كالمتعالم ) مفعول من تعالمه الجميع أي علموه . قوله : ( من تحتها عيسى ) عليه الصلاة والسّلام قدم هذا الاحتمال لأن من تحتها بفتح الميم إنما يستعمل إذا كان قد علم قبل ذلك أن تحتها أحدا والذي علم كونه