وقيل : كان له قرنان أي ضفيرتان . وقيل : كان لتاجه قرنان . ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته كما يقال : الكبش للشجاع كأنه ينطح أقرانه . واختلف في نبوته مع الاتفاق على إيمانه وصلاحه . والسائلون هم اليهود سألوه امتحانا أو مشركو مكة .
قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً
( 83 ) خطاب للسائلين . والهاء لذي القرنين وقيل : للّه
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
أي مكّنّا له أمر من التصرف فيها كيف شاء فحذف المفعول .
وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
أراده وتوجه إليه
سَبَباً
( 84 ) وصلة توصله إليه من العلم والقدرة والآلة .
فَأَتْبَعَ سَبَباً
( 85 ) أي فأراد بلوغ المغرب فاتبع سببا يوصله إليه . وقرأ الكوفيون وابن عامر بقطع الألف مخففة التاء .
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
ذات حمأة ، من حمئت البئر إذا صارت ذات حمأة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر « حامية » أي
شرح
وعلى جانب الرأس أيضا . قيل : ومنه سمي ذو القرنين . ذكر في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قصة أصحاب الكهف ، وعن قصة ذي القرنين ، وعن الروح . فالمراد من قوله :وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِهو ذلك السؤال عن عقبة بن عامر قال : إن نفرا من أهل الكتاب جاؤوا بالصحف أو الكتب فقالوا : استأذن لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لندخل عليه ، فانصرفت إليه فأخبرته فقال عليه الصلاة والسّلام : « ما لهم يسألونني عما لا أعلم إنما أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربي » . ثم قال : « إني أبتغي وضوءا أتوضأ به » .
ثم قام إلى مسجد في بيته وركع ركعتين فما انصرف حتى بدا السرور في وجهه ثم قال :
« اذهب فأدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي فأدخلهم » فلما رآهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهم :
« إن شئتم أخبرتكم بما أردتم أن تسألوني عنه وإن شئتم غير ذلك فافعلوا » . فهذا إن ثبت يدل على أنه أتاه نبأ ذي القرنين وخبره قبل أن يسألوا عنه . وأما أهل التأويل فإنهم قالوا جميعا :
إنه سئل قبل أن ينزل عليه خبره ثم نزل ذلك بعد السؤال . قوله : ( وصلة ) أي ما يتوصل به كالقربة بمعنى ما يتقرب به . قالوا : السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود ، فهو يتناول العلم والقدرة والآلة . فالمعنى وأعطيناه من كل شيء مقاصده وأغراضه والأمور التي يتوصل بها إلى تحصيل ذلك الشيء ، فإنه تعالى أعطاه من كل شيء يحتاج إليه في فتح الممالك وضبطها وتدبير أمرها ما يتوصل به إلى أسباب تحصيل ذلك المراد ، فأي مقصود أراده هيأ اللّه له ما يوصله إليه فيتبعه . قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو « فاتبع سببا » يوصل الهمزة وتشديد التاء وكذلك « ثم أتبع » أي سلك وسار . وقرأ الكوفيون وابن عامر « فأتبع » ثم « أتبع » في الثلاثة بقطع الهمزة وتخفيف التاء ، فقيل : هما بمعنى واحد فيتعديان إلى مفعول واحد . وقيل : أتبع بالقطع متعد إلى اثنين حذف أحدهما