فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما
أي مجمع البحرين وبينهما ظرف أضيف إليه على
شرح
المغرب بدليل قوله تعالى :حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ[ الكهف : 86 ] وأيضا بلغ ملكه أقصى المشرق . وأن يأجوج ومأجوج قوم من الترك يسكنون في أقصى الشمال بدليل أن السد المذكور في القرآن يقال في كتب التاريخ إنه مبني في أقصى الشمال ، فهذا المسمى بذي القرنين قد دل القرآن على أن ملكه بلغ أقصى المشرق والمغرب والشمال ، وهذا هو تمام القدر المعمور من الأرض . ومثل هذا الملك البسيط لا شك أنه على خلاف العادات وما كان كذلك وجب أن يبقى ذكره مخلدا على وجه الدهر وأن لا يبقى مستترا . والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر ، وذلك أنه لما مات أبوه فيلبوس جمع ملوك الروم بعد أن كانوا طغاة ثم جمع ملوك الغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ، ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذابحهم ، ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العراقيون والقبط والبربر ، ثم توجه إلى دارى بن دارى وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه فاستولى الإسكندر على ممالك الفرس ، ثم قصد إلى الهند واليمن وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدائن الكثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها . فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلا ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها وثبت بعلم التواريخ أن الذي هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر ، وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني . ثم قال الإمام : إلا أن فيه إشكالا قويا وهو أنه كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم وهو على مذهبه فتعظيم اللّه تعالى إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حق وصدق وذلك مما لا سبيل إليه . وأجيب عنه بما روي من أن الخضر كان على مقدمة ذي القرنين فدعاه الخضر عليه الصلاة إلى الإسلام فأسلم ، وكان على ملة الخليل عليه الصلاة والسّلام وقد استوزره فلم يقبل منه وانقطع بسببه . وبهذا يندفع الإشكال المذكور إن صح . واللّه أعلم .
وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « كان الخضر ابن ملك من الملوك فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده فلم يقبل وهرب منه ولحق بجزائر البحر فطلبه أبوه فلم يقدر عليه » . قوله : ( أي مجمع البحرين ) يعني أن ضمير « بينهما » للبحرين وأن حق الاجتماع أن يضاف إلى « البحرين » لا إلى البين ، وإنما أضيف إلى البين توسعا . قال الإمام : أجمع المفسرون على أن المعنى انطلقا إلى أن بلغا مجمع البحرين ، بإرجاع ضمير « بينهما » إلى « البحرين » . ويحتمل أن يرجع إلى موسى والخضر عليهما السّلام ويكون المعنى : ولما بلغا الموضع الذي هو مجمع موسى وصاحبه الذي كان يقصده ، لأن ذلك الموضع الذي وقع فيه نسيان الحوت هو الموضع الذي