مسلكا من قوله :
وَسارِبٌ بِالنَّهارِ
[ الرعد : 10 ] وقيل : أمسك اللّه جرية الماء على الحوت فصار كالطافي عليه ونصبه على المفعول الثاني و « في البحر » حال منه أو من « السبيل » ويجوز تعلقه « باتخذا »
فَلَمَّا جاوَزا
مجمع البحرين .
قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا
ما نتغدى به
لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً
( 62 ) قيل : لم ينصب حتى جاوز الموعد فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقى عليه الجوع والنصب . وقيل :
لم يعي موسى في سفر غيره ، ويؤيده التقييد باسم الإشارة .
قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا
أرأيت ما دهاني إذ أوينا .
إِلَى الصَّخْرَةِ
التي رقد عندها موسى . وقيل : هي الصخرة التي دون نهر الزيت .
فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ
فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ
أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان ، فإن « أن أذكره » بدل من الضمير . وقرىء « أن اذكر له » وهو اعتذار عن نسيانه يشغل الشيطان له بوساوسه .
والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها ، لكنه لما ضري بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قل اهتمامه بها ، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباخرة . وإنما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه
شرح
قوله : ( مسلكا ) على أن السرب مصدر كالطلب أريد به الموضع . والمذهب يسرب فيه أي يسلك ويذهب فيه من قولهم : سرب أي ذهب على وجهه في الأرض ، والسرب أيضا بيت في الأرض لا منفذ له وإن كان له منفذ يقال له نفق . الجوهري : النفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ، فقيل : ومنه السرب في الآية . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : معنى جعل سبيله في البحر سربا أنه دخل في البحر كما يدخل في السرب ، كأن الماء ارتفع بعضه فصار كالطاق والكوة فذهب الحوت فيه ، فصار الماء على الحوت كالطاق وصار الحوت في البحر كأنه في السرب . قوله : ( ما نتغدى به ) الغداء ما يعد للأكل غدوة ، والعشاء ما يعد للأكل عشية . قوله : ( قيل لم ينصب حتى جاوز الموعد ) فيكون حكمة هذا الإشارة إلى مسيرهما بعد المجاوزة وكان هذا المسير أتعب لهما مما سبق لأن رجاء المطلوب يقرب البعيد والخيبة تبعد القريب . ولهذا ورد في الحديث « أن موسى عليه الصلاة والسّلام لم ينصب إلا منذ جاوز الموضع الذي حده اللّه تعالى » . قوله : ( أرأيت ما دهاني إذ أوينا ) يعني أن قوله :أَ رَأَيْتَبمعنى أخبرني حذف مفعوله الذي هو المستخبر عنه وهو المظروف لقوله :إِذْ أَوَيْناوهو أيضا ظرف قوله :فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَوحذف لدلالة مقام الحيرة عليه . ونهر الزيت علم لنهر هناك سمي نهر الزيت لكثرة أشجار الزيت على شاطئه . قوله تعالى :( وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ )قرأ حفص بضم الهاء فيه ، وفي قوله في سورة الفتح عليه في الوصل ، والباقون بكسرها فيهما . و « أن أذكره » في محل النصب على أنه بدل من هاء