مقامه فانقلب الضمير والفعل ، وأن يكون « لا أبرح » بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه فلا يستدعي الخبر . و « مجمع البحرين » ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وعد لقاء الخضر فيه . وقيل : البحران موسى والخضر عليهما الصلاة والسّلام فإن موسى كان بحر علم الظاهر والخضر كان بحر علم الباطن ، وقرىء « مجمع » بكسر الميم على الشذوذ من يفعل كالمشرق والمطلع
أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً
( 60 ) أو أسير
شرح
المحتاجة إلى الخبر من قولهم : برح مكانه أي زال عنه وصار إلى البراح وهو المتسع من الأرض لا زرع فيه ولا شجر ، من زال يزول زوالا وأزاله غيره . فذكر المصنف أولا أنه من الأفعال الناقصة لكن حذف خبره لأن الحال والكلام يدلان عليه معا أما الحال فلأنها كانت حال سفر ، وأما الكلام فلأن قوله :حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِغاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له فلا بد أن يكون المعنى : لا أبرح ولا أزال أسير وأسافر حتى أبلغ . ثم ذكر وجها آخر لكونه من الأفعال الناقصة وهو أن في الكلام حذف مضاف تقديره : لا يبرح مسيري ، ثم حذف المضاف وأقيم ياء المتكلم مقامه فانقلبت مرفوعة مستترة بعد أن كانت مجرورة المحل بارزة ، وكذا انقلب الفعل من لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم وبقي « حتى أبلغ » هو الخبر . وفيه بحث ، وهو أن هذه الجملة خالية عن ضمير يربطها ويعود إلى قوله : « مسيري » فكيف تكون هذه الجملة خبرا عن « مسيري » في الأصل والضمير الذي فيها يعود إلى ضمير المتكلم الذي أضيف إليه المسير ، وذلك لا يكتفي به رابطا إلا أن يقال : العائد محذوف تقديره : حتى أبلغ به أي بمسيري أو يقال : جعلها خبرا على طريق التوسع والمسامحة إقامة لما هو غاية للخبر مقام الخبر ، والتقدير : لا يبرح مسيري حاصلا أو مستمرا حتى أبلغ . وفرقه من الوجه الأول مع اشتراك الوجهين في حذف الخبر أن حذف الخبر في الوجه الثاني متفرع على حذف المضاف من الاسم ، بخلاف الوجه الأول فهما متغايران في التخريج النحوي وإن اتحدا في الاحتياج إلى حذف الخبر ، ثم ذكر وجها آخر وهو أن يكون « لا أبرح » بمعنى لا أزول على حذف الصلة أي لا أزول عما أنا عليه من المسير ولا أفارقه ولا أتركه حتى أبلغ . وعلى هذا الوجه وإن لم يحذف الخبر لكن حذف المفعول الغير الصريح فالحذف لا بد منه على كل واحد من التقديرين . قوله : ( وعد لقاء الخضر فيه ) روي أن موسى عليه الصلاة والسّلام سأل ربه : أي عبادك أحب إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني . قال : فأي عبادك أقضى ؟ قال :
الذي يقضي ولا يتبع الهوى . قال : فأي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى . فقال موسى : إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني عليه . فقال : أعلم منك الخضر . قال : أين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة . قال : كيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك . فقال