يحتمل المصدر لأنه نوع من التولية والعلة والحال .
وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
( 18 ) خوفا يملأ صدرك لما ألبسهم اللّه من الهيبة أو لعظم إجرامهم وانفتاح عيونهم . وقيل : لوحشة مكانهم . وعن معاوية رضي اللّه عنه أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم . فقال له ابن عباس رضي اللّه عنه : ليس لك ذلك وقد منع اللّه تعالى من هو خير منك فقال :
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً
فلم يسمع وبعث ناسا فلما دخلوا جاءت ريح فأحرقتهم . وقرأ الحجازيان « لملئت » بالتشديد للمبالغة ، وابن عامر والكسائي ويعقوب « رعبا » بالتثقيل .
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ
وكما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا
لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ
ليسأل بعضهم بعضا فيتعرفوا حالهم وما صنع اللّه بهم فيزدادوا يقينا على كمال قدرة اللّه تعالى ، ويستبصروا به أمر البعث ويشكروا ما أنعم به عليهم .
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
بناء على
شرح
اذهبوا فأدخلوا الكهف فأرسل اللّه عليهم ريحا فأحرقتهم . كذا في الوسيط . قوله : ( ليسأل بعضهم بعضا فيتعرفوا حالهم ) فإنه يجوز أن حالة غريب تدل على كمال قدرة اللّه تعالى فيزدادون هدى واستيقانا . وفي شرح التأويل أخبر اللّه تعالى أنه إنما بعثهم للتساؤل ، فحينئذ لا تكون اللام لام « كي » بل هي لام العاقبة ، لأنه لما علم منهم ما يكون عند بعثهم من التساؤل بعثهم لذلك ، وكذلك جميع ما يخلق ويشاء إنما يخلق لما يعلم أنه كذا فيظهر ما علم على ما علم وهو كقوله تعالى :وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ[ الأعراف : 179 ] ذرأهم لما علم أنه يكون منهم وهو أن يعملوا عمل أهل جهنم فيصيروا إليها ، وعلى هذا قوله تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] معناه أن من علم أنه يعبد ويعمل عمل أهل الجنة خلقه كذلك . والحاصل أن كل ما يخلقه اللّه تعالى إنما يخلقه لما يعلم أنه يكون منه إذ لا يجوز أن يخلق لغير ما يعلم أنه يكون منه ، إذ يجري الفعل لذلك مجرى العجز أو الجهل بالعواقب وهو متعالي عن ذلك علوا كبيرا ، أو يخرج الفعل لذلك مخرج العجز أو الجهل بالعواقب فإذا كان اللّه تعالى عالما بما كان وما يكون وتعالى عن أن يكون فعله عبثا لم يجز أن يخلق شيئا بغير ما علم أنه يكون . وهكذا يكون في الشاهد فإن من عمل عملا لغير ما علم أنه يكون فو عابث وجاهل بعاقبة عمله .
و« كَمْ »في قوله تعالى :كَمْ لَبِثْتُمْاستفهامية منصوبة بالفعل الذي بعدها كما في قولك : كم يوما صمت ؟ لأن الفعل الذي بعدها غير مشتغل عنها بضميرها وفي مثله تكون « كم » معربة على حسب اقتضاء العامل ، والمميز محذوف تقديره : كم يوما لبثتم ؟ حذف لدلالة الجواب عليه . و« أَوْ »في قوله :أَوْ بَعْضَ يَوْمٍللشك منهم لما ذكره من أن جوابهم هذا مبني على غالب الظن . قيل : إنهم دخلوا الكهف أول النهار فنظروا حين استيقظوا فإذا هو آخر النهار