على ما يلائم حال قومهم ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا لهم أن يتحكموا على اللّه حتى يتخيرونها على هذا هو الجواب المجمل . وأما التفصيل فقد ذكر في آيات أخر كقوله :
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ
[ الأنعام : 7 ]
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً
[ الحجر : 14 ]
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
أي وما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي وظهور الحق .
إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
( 94 ) إلا قولهم هذا . والمعنى أنه لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن إلا إنكارهم أن يرسل اللّه بشرا .
قُلْ
جوابا لشبهتهم
لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ
كما يمشى بنو آدم
مُطْمَئِنِّينَ
ساكنين فيها
لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
( 95 ) لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه . وأما الإنس فعامتهم عماة عن إدراك الملك والتلقف منه فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس . « وملكا » يحتمل أن يكون حالا من
« رَسُولًا »
وأن يكون موصوفا به وكذلك
« بَشَراً »
والأول أوفق .
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
على أتى رسول إليكم بإظهاره المعجزة على وفق دعواي أو على أني بلغت ما أرسلت به إليكم وإنكم عاندتم . و « شهيدا » نصب على الحال أو التمييز .
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
( 96 ) يعلم أحوالهم الباطنة منها والظاهرة فيجازيهم عليها وفيه تسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وتهديد للكفار .
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ
يهدونه
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ
يسحبون عليها أو يمشون بها . روي أنه قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كيف يمشون على وجوههم قال : « إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم »
عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
لا يبصرون ما يقرّ أعينهم ولا
شرح
سُبْحانَ رَبِّي .قوله : ( حتى يتخيرونها على ) أي حتى يحكمون عليّ باختيارها . يقال : تخير عليه أي اقترح عليه في اختيار الخير . قوله : ( بإظهاره المعجزة على وفق دعواي ) إذ كان ذلك شهادة منه تعالى على كونه عليه الصلاة والسّلام صادقا في دعوى الرسالة ، ومن شهد اللّه تعالى على صدقه فهو صادق فكل من قال بعد ذلك يجب أن يكون الرسول ملكا لا إنسانا يكون كلامه مهملا لا يلتفت إليه .
قوله : ( لا يبصرون ما يقرّ أعينهم ) إشارة إلى جواب ما يقال : كيف يحشرون عميا وبكما وصما وقد قال تعالى :وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ[ الكهف : 53 ] وقال :سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً[ الفرقان : 12 ] وقال :دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً[ الفرقان : 13 ] وقال :يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها[ النحل : 111 ] وقال حكاية عن الكفار :وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ