يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم لأنهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر وتصاموا عن استماع الحق وأبو أن ينطقوا بالصدق . ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار مؤوفي القرى والحواس .
مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ
سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم
زِدْناهُمْ سَعِيراً
( 97 ) توقدا بأن تبدل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة مستعرة . فإنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم اللّه بأن لا يزالون على الإعادة والإفناء ، وإليه أشار بقوله :
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
( 98 ) لأن الإشارة
شرح
[ الأنعام : 23 ] فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون وينطقون ، فكيف قال ههنا :عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ؟أجاب عنه المصنف أولا بأن المعنى أنهم يحشرون عميا بحيث لا يرون شيئا يسرهم ، صما لا يسمعون شيئا يلتذون بسماعه ، بكما لا ينطقون بحجة . ثم أشار إلى الجواب ثانيا بقوله : « ويجوز أن يحشروا » الخ يعني أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف ولولا ذلك لما قدروا على أن يطالعوا كتبهم ولا أن يسمعوا إلزام حجة اللّه عليهم ، إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار يجعلهم اللّه تعالى عميا وبكما وصما .
قوله : ( مؤوفي القوى ) من الآفة يقال : أيف الزرع على ما لم يسم فاعله أي أصابته آفة فهو مؤوف . قوله : ( توقدا ) إشارة إلى أن السعير مصدر بمعنى التسعير وهو التوقد والتلهب ، كالنذير والنكير بمعنى الإنذار والإنكار . ويجوز أن يكون السعير بمعنى النار المسعورة يقال :
سعرت النار بمعنى هيجتها وألهبتها ، وقد تشدد العين لتكثير المبالغة . فإن قيل : قال تعالى :لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ[ البقرة : 162 ؛ آل عمران : 88 ] وقوله :كُلَّما خَبَتْيدل على أن العذاب يخفف عنهم في ذلك الوقت . أجيب بأن قوله :كُلَّما خَبَتْمعناه كلما أرادت أن تخبو زدناهم تسعرا وتلهبا . قوله تعالى :( ذلِكَ جَزاؤُهُمْ )مبتدأ وخبر والباء في قوله :بِأَنَّهُمْ كَفَرُواباء السببية أي ذلك العذاب الموصوف المذكور فيما تقدم جزاؤهم بسبب أنهم كفروا بآياتنا الدالة على صدق مدعي النبوة مكابرة وعنادا . وعطف على كفرهم بالآيات المذكورة قولهم :وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماًالخ يعني أنهم كما أنكروا النبوة أنكروا البعث والحشر واستبعدوا أن يعود الإنسان بعينه بعد أن يصير عظاما ورفاتا . وأجاب اللّه تعالى عن هذا الاستبعاد بقوله :أَ وَلَمْ يَرَوْاالخ يعني أن من خلق السماوات والأرض كيف يستبعد منه أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم . وأراد بخلق مثلهم خلق أنفسهم ثانيا ، فإن مثل الشيء لما كان مساويا له في حالته جاز أن يعبر به عن الشيء نفسه . ألا ترى أنه يقال : مثلك لا يفعل هذا ويراد أنت لا تفعله . وقيل : المراد أنه قادر على أن يخلق عبيدا آخرين يوحدونه ويقرون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر الشبهات الفاسدة . وما اختاره المصنف أنسب بالمقام .