الزور ويؤيده قوله عليه الصلاة والسّلام : « من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه اللّه في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج » . وقول الكميت :
ولا أرمي البريء بغير ذنب * ولا أقفو الحواصن إن قفينا
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ
أي كل هذه الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها . هذا وأن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا وهو يعم القبيلين جاء لغيرهم كقوله : والعيش بعد أولئك الأيام
كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
( 36 ) في ثلاثتها ضمير كل أي كان كل واحد منها مسؤولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه . ويجوز أن يكون الضمير في « عنه » لمصدر « لا تقف » أو لصاحب السمع والبصر . وقيل : « مسؤولا » مسند إلى عنه كقوله تعالى :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
[ الفاتحة : 7 ] والمعنى يسأل صاحبه عنه وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم . وفيه دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية .
شرح
الإجماع في مثل هذه الصورة قوله : نحن نحكم بالظاهر وهو يتولى السرائر ، وذلك تصريح في أن الظن معتبر في باب العمل فلذلك تخص هذه الآية بالعقائد . وقيل : إنها مخصوصة بالرمي وشهادة الزور ومعناها : لا ترم ولا تقل ما ليس لك به علم . نقل عن محمد ابن الحنفية أن المراد منه شهادة الزور . وقال ابن عباس : لا تشهد إلا بما رأته عينك وسمعته أذنك ووعاه قلبك . ومن هذا القبيل قذف المحصن والمحصنة ورميهما بالأكاذيب فإن بعض الناس يذكرون مثالب الناس وعيوبهم ويهجونهم ويبالغون فيه ، فالمقصود النهي عنه وعن أمثاله . ويؤيد كون الآية مخصوصة بالرمي قوله عليه الصلاة والسّلام : « من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه اللّه في ردغة الخبال » . والردغة بفتح الدال وسكونها وبالغين المعجمة الماء والطين والوحل الشديد . وفي حديث : « الخبال عصارة أهل النار » وهو في الأصل الفساد . وقوله :
« حتى يأتي بالمخرج » يريد حتى يرجع عما قال أي حتى يخرج من عهدته . وقول الكميت :( ولا أرمي البريء بغير ذن * ب ولا أقفو الحواصن إن قفينا )الحواصن جمع حاصنة بمعنى محصنة وهي المرأة العفيفة . قوله : ( في ثلاثتها ) وهيكانَ عَنْهُ مَسْؤُلًاولا يبعد أن يخلق اللّه الحياة والعقل والنطق في هذه الأعضاء . ثم إنه تعالى يوجه السؤال إليها ويسألها أصرفها صاحبها في الطاعة أم في المعصية . ويحتمل أن يكون التقدير أن صاحب السمع والبصر والفؤاد هو المسؤول بناء على أن السؤال لا يصح إلا ممن يكون عاقلا ناطقا وهذه الجوارح ليست كذلك ، بل العاقل الفاهم هو الإنسان فيقال له :
لم سمعت ما لا يحل لك سماعه ، ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه ، ولم عزمت