مَظْلُوماً
يدل على أن القتل عمدا عدوان فإن الخطأ لا يسمى ظلما
فَلا يُسْرِفْ
أي القاتل
فِي الْقَتْلِ
بأن يقتل من لا يستحق قتله فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة أو قتل غير القاتل . ويؤيد الأول قراءة أبيّ « فلا تسرفوا » وقرأ حمزة والكسائي « فلا تسرف » على خطاب أحدهما
إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً
( 33 ) علة النهي على الاستئناف والضمير إما للمقتول فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله وفي الآخرة بالثواب ، وإما لوليه فإن اللّه تعالى نصره حيث أوجب القصاص له وأمر الولاة بمعونته ، وإما للذي يقتله الولي إسرافا بإيجاب القصاص أو التعزير والوزر على المسرف .
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ
فضلا عن أن تتصرفوا فيه
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إلا بالطريقة
شرح
المقتضى ثابتا على القاتل ، وهو أن يقتص منه أو أن يعطي دية القتيل ، فإن أولياء المقتول مخيرون بين أمرين : إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية من ماله . أو كان ثابتا على العاقلة إن كان القتل خطأ . ثم أشار إلى جواز أن يكون المراد بالتسلط المتفرع عليه التسلط على القاتل بأن يقتص منه . قوله : ( فلا يسرف أي القاتل ) أي إذا تقرر أنه تعالى جعل لولي المقتول ظلما تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه ، فلا يسرف القاتل في القتل بأن يقتل من لا يحق قتله فيقتل فيكون قد أسرف في القتل حيث كان سببا لهلاك نفسه وهلاك غيره ، وفي الارتداع عنه سلامة نفسه وسلامة نفس الغير . فعلى هذا يكون الضمير في قوله :إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراًللمقتول أي لا يسرف القاتل المبتدىء لأن من قتل مظلوما كان منصورا في الدنيا بإيجاب القود على قاتله بأن يقتص له وليه فإن لم يكن له ولي فالسلطان وليه . قوله : ( أو الولي بالمثلة أو قتل غير القاتل ) عطف على قوله : « القاتل » يعني يحتمل أن يكون المنوي في قوله : « فلا يسرف ضمير الولي » وإسراف الولي يكون على وجهين : أحدهما أن لا يكتفي بقتل القاتل بل يقتله ثم يمثل به ويقطع أعضاءه وثانيهما أن لا يكتفي بقتل القاتل بل يقتل به جماعة غيره . وكل ذلك كان يفعله أهل الجاهلية كانوا يقتلون غير القاتل وكذا كانوا يمثلون بالمقتول فنهى عن كل منهما .
قوله : ( والضمير أما للمقتول وأما لوليه ) على تقدير أن يكون الحكم المعلل فلا يسرف القاتل . قوله : ( وإما للذي يقتله الولي إسرافا ) على تقدير أن يكون المعلل فلا يسرف الولي بالمثلة وقتل غير القاتل ، فإن الذي قتله الولي إسرافا منصور بإيجاب القصاص على المسرف إن كان إسرافه بالمثلة . ثم إنه تعالى لما نهى عن إتلاف النفوس اتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال فقال :وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِالآية وخص مال اليتيم بالذكر لأنه لضعفه وكمال عجزه يعظم ضرره بإتلاف ماله ونظيره قوله تعالى :وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا[ النساء : 6 ] أي مخافة أن يكبروا فيأخذوا أموالهم منكم ومبادرة في أكله .