وهو عليه السّلام رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي جادل فرق المشركين وأبطل مذاهبهم الزائغة بالحجج الدامغة ولذلك عقب ذكره تزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحله . أو لأنه كان وحده مؤمنا وكان سائر الناس كفارا . وقيل : هي فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والنخبة من أمه إذا قصده أو اقتدى به فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيرته لقوله :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
[ البقرة : 124 ]
قانِتاً لِلَّهِ
مطيعا له قائما بأوامره
حَنِيفاً
مائلا عن الباطل
وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 120 ) كما زعموا فإن قريشا كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم صلوات اللّه عليه .
شرح
قوله : ( ولذلك عقب ذكره تزييف مذاهب المشركين ) أي ولأجل كونه عليه الصلاة والسّلام رئيس الموحدين جعل اللّه تعالى ذكره عليه الصلاة والسّلام بحيث يعقب التزييف ويخلفه . على أن قوله : « تزييف » ثاني مفعولي عقب يقال : عقبه مخففا يعقبه بمعنى خلفه يخلفه ، وعاقب كل شيء آخره الذي يخلفه ويكون بعده ، وبالتضعيف يتعدى إلى اثنين وإن شئت قلت : عقب ذكره تزييف بأن يجعل عقب ثلاثيا . وذكره مرفوعا على أنه فاعل عقب وتزييف منصوبا على المفعولية . قوله : ( أو لأنه كان وحده مؤمنا ) قسيما للأمة . والرحلة بضم الراء الذي يرحل إليه يقال : أنتم رحلتي أي الذين ارتحل إليهم ، والنخبة المنتخب يقال :
جاءني نخبة أصحابه أي خيارهم . فإن كان أمة فعلة بمعنى المفعول يكون إما بمعنى المأموم أي المقصود الذي يؤمه الناس أي يقصدونه ليأخذوا منه الخير . الجوهري : الأم بالفتح القصد يقال : أمه يؤمه إذا قصده . وإما بمعنى المؤتم به المقتدى به . الجوهري : أممت القوم في الصلاة . إمامة وأنتم به أي اقتدى . وصف اللّه تعالى إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بتسع صفات : الصفة الأولى أنه كان أمة أي كالأمة من حيث استجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا متفرقة في الجماعة . والثانية كونه قانتا للّه تعالى أي مطيعا له قائما بما أمره . قال الراغب :
القنوت لزوم الطاعات مع الخضوع . وفسر بكل واحد منهما في قوله تعالى :كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ[ البقرة : 116 ؛ الروم : 26 ] قيل : خاضعون وقيل : طائعون . والثالثة كونه حنيفا أي مائلا عن الملل إلى ملة الإسلام . والرابعة أنه لم يكن من المشركين وكيف يكون مشركا وقد كان أكبر همته في حال صغره وكبره مصروفا إلى تقرير دلائل ثبوت الصانع ووحدته ؟ حتى قابل ملك زمانه وأقام عليه الحجج والبراهين الدالة على وجود الإله القادر على كل شيء مثل قوله :رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ[ البقرة : 258 ] وقوله :فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ[ البقرة : 258 ] ثم أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله :لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ[ الأنعام : 76 ] ثم كسر تلك الأصنام حتى آل الأمر إلى أن ألقوه في النار ،