في أرض أو سماء .
وَالْمَلائِكَةُ
عطف على المبين عطف جبريل على الملائكة للتعظيم ، أو عطف المجردات على الجسمانيات . وبه احتج من قال : إن الملائكة أرواح مجردة . أو بيان لما في الأرض والملائكة تكرير لما في السماوات وتعيين له إجلالا وتعظيما . والمراد بها ملائكتها من الحفظة وغيرهم . و « ما » لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق « من » تغليبا للعقلاء .
وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
( 49 ) عن عبادته
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
يخافونه أن يرسل عذابا من فوقهم أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[ الأنعام : 18 ] والجملة حال من الضمير في
« لا يَسْتَكْبِرُونَ »
أو بيان له وتقرير لأن من خاف اللّه تعالى لم يستكبر عن عبادته .
وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
( 50 ) من الطاعة
شرح
قوله : ( عطف جبريل على الملائكة ) بناء على أن اسم الدابة يتناول الأجسام اللطيفة السماوية والدواب الكثيفة الأرضية من حيث إن كل واحد من النوعين له دبيب يليق به .
فيكون عطف« الْمَلائِكَةُ »على « المبين » من قبيل عطف الخاص على العام إظهارا لشرفه . وإن جعل اسم الدابة مختصا بالحيواني الجسماني الذي يتحرك ويدب وجعل الملائكة أرواحا محضة مجردة عن الدبيب والحركة الجسمانية ، يكون من عطف أحد المتباينين على الآخر .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا جيء « بمن » دون « ما » تغليبا للعقلاء على غيرهم ؟
والمصنف أجاب عنه بأن استعمال كلمة « ما » في القبيلين حقيقة فهو أولى من سلوك طريق التغليب الذي هو من باب المجاز وقوله تعالى :وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَيجوز أن يكون استئنافا أخبر بذلك عنهم وأن يكون حالا من فاعل « يسجد » وقوله :يَخافُونَ رَبَّهُمْمن باب حذف المضاف أي يخافون عذاب ربهم ومِنْ فَوْقِهِمْصفة للمضاف المقدر أي الكائن من فوقهم . وصف العذاب بذلك لأن أكثر ما يأتي من العذاب المهلك إنما يأتي من فوق .
ويجوز أن يكونمِنْ فَوْقِهِمْحالا من ربهم أي يخافون ربهم عاليا عليهم علو الرتبة والقدرة قاهرا لهم كيف يشاء . ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى :وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ *واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا : إنه تعالى وصفهم بالخوف فلو لا أنهم يجدون من أنفسهم الإقدام على الذنب لما حصل لهم الخوف ؟ وأجيب عنه بوجهين : الأول أنه تعالى حذرهم من العقاب حيث قال :وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ[ الأنبياء : 29 ] فلخوف العقاب يتركون الذنب . والثاني أن ذلك الخوف خوف الإجلال كقوله تعالى :إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ[ فاطر : 28 ] وكقوله عليه الصلاة والسّلام : « إني لأخشاكم للّه » . فإنه يدل على أنه كلما كانت معرفة اللّه تعالى أتم كان الخوف أكثر منه وأعظم ، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والهيبة من كمال