لقوله فبشرناها بإسحق
عَلِيمٍ
( 53 ) إذا بلغ
قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ
تعجّب من أن يولد له مع مسّ الكبر إياه أو إنكار لأن يبشّر به في مثل هذه الحالة وكذلك قوله :
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
( 54 ) أي فبأيّ أعجوبة تبشروني ، أو فبأيّ شيء تبشروني . فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء . وقرأ ابن كثير بكسر النون مشدّدة في كل القرآن على إدغام نون الجمع في نون الوقاية . وقرأ نافع بكسرها مخففة على حذف نون الجمع استثقالا لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء .
قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ
بما يكون لا محالة أو باليقين الذي لا لبس فيه أو بطريقة هي حق وهو قول اللّه تعالى وأمره
فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ
( 55 ) من الآيسين من ذلك . فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين فكيف من شيخ فإن وعجوز عاقر . وكان استعجاب إبراهيم صلوات اللّه عليه باعتبار العادة دون القدرة . ولذلك
قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
( 56 ) أي المخطئون طريق المعرفة فلا يعرفون سعة رحمة اللّه وكمال علمه وقدرته كما قال : لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون . وقرأ أبو عمرو والكسائي « يقنط » بالكسر وقرىء بالضم وماضيها قنط بالفتح .
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
( 57 ) أي فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى
شرح
بضم النون وفتح الباء من التبشير بشروه بأمرين : أحدهما أن الولد ذكر والثاني أنه عليم .
واختلفوا في تفسير العليم فقيل : بشروه بنبوته . وقيل : بشروه بأنه عليم بالدين وما يتعلق به .
قوله : ( تعجب أو إنكار الخ ) إذ لا محل لحمله على الاستفهام حقيقة إذ لا وجه للاستفهام بعد أن قالوا :إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍوكذا لا وجه للاستفهام عن المبشر به بعد ما بينوه بأنه غلام عليم ، فلذلك حمل الاستفهام على التعجب والإنكار والباء صلةتُبَشِّرُونَكما في قولك : بشرته بقدوم زيد . ويجوز أن لا تكون صلة« تُبَشِّرُونَ »بل تكون كالباء في قوله :
ضربته بالسوط . والمعنى بأي طريقة تبشرونني بالولد أيحصل ذلك مني حال كوني باقيا على صفة الشيخوخة أم أصير وأنقلب إلى الشباب ، ثم يحصل الولد مني وكل ذلك بعيد بحسب العادة وأمر عجيب . وكذا قوله :بِالْحَقِّيحتمل أن تكون الباء فيه صلة أي بشرناك بطريقة هي حق وهي أن يحصل الولد منكما حال بقائكما على صفة الشيخوخة التامة بفعل اللّه تعالى وأمره ، فإنه تعالى قادر على أن يوجد ولدا من غير أبوين فكيف من شيخ وعجوز عاقر ؟
والقنوط اليأس من الخير وقول إبراهيم عليه الصلاة والسّلام :وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَيدل على أنه عليه الصلاة والسّلام لم يكن قانطا . ولكنه استبعد ذلك باعتبار العادة فظنت الملائكة أن به قنوطا فنفى عن نفسه وأخبر أن القانط من رحمة ربه ضال جاهل .
والاستفهام في قوله :وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَيدل على أنه عليه الصلاة