مقام يعقوب وجواب « لما » محذوف مثل فعلوا به ما فعلوا من الأذى . فقد روي أنهم لما برزوا به إلى الصحراء أخذوا يؤذونه ويضربونه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويستغيث ، فقال يهودا : أما عاهدتموني أن لا تقتلوه . فأتوا به إلى البئر فدلوه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيه فقال : يا أخوتاه ردوا عليّ قميصي أتوارى به . فقالوا : ادع الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر يلبسوك ويؤانسوك فلما بلغ نصفها ألقوه وكان فيها ماء فسقط ثم أوى إلى صخرة كانت فيها فقام عليها يبكي فجاءه جبرائيل بالوحي كما قال :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ
وكان ابن سبع عشرة سنة . وقيل :
كان مراهقا أوحي إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهم السّلام . وفي القصص أن إبراهيم عليه السّلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحق وإسحق إلى يعقوب ، فجعله في تميمة علقها بيوسف فأخرجه جبريل عليه السّلام فألبسه إياه
لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا
شرح
قوله : ( وجواب لما محذوف ) أي وفي الآية محذوف آخر وتقديره : قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون فأذن له وأرسله معهم ، وقوله :فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِمتصل بهذا المحذوف . روي أن يوسف عليه الصلاة والسّلام لما ألقي في الجب قال : يا شاهدا غير غائب ويا قريبا غير بعيد ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي من أمري هذا فرجا ومخرجا .
وروي : اجعل لي فرجا مما أنا فيه . فما بات فيه . قال الحسن رضي اللّه تعالى عنه : ألقي يوسف عليه الصلاة والسّلام في الجب وهو ابن اثنتي عشرة سنة ولقي أباه بعد ثمانين سنة .
وقيل : يوسف عليه الصلاة والسّلام ابن سبع عشرة سنة . وروي أن هوام البئر قال بعضها لبعض : لا تخرجن من مساكنكن فإن نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام نزل بساحتكن فانحجرت إلا الأفاعي فإنها قصدت يوسف عليه الصلاة والسّلام فصاح بها جبريل عليه السّلام فصمت وبقي الصمم في نسلها . وعلم جبريل عليه الصلاة والسّلام يوسف عليه الصلاة والسّلام هذا الدعاء : اللهم يا كاشف كل كربة ويا مجيب كل دعوة ويا جابر كل كسير ويا ميسر كل عسير ويا صاحب كل غريب ويا مؤنس كل وحيد يا لا إله إلا اللّه لا إله إلا أنت سبحانك أسألك أن تجعل لي فرجا ومخرجا وأن تقذف حبك في قلبي حتى لا يكون لي هم ولا ذكر غيرك وأن تحفظني وترحمني يا أرحم الراحمين . قال طائفة عظيمة من المحققين : إن المراد من الوحي المذكور بقوله تعالى :وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِوحي النبوة والرسالة .
وقيل : المراد منه الإلهام كما في قوله تعالى :وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى[ القصص : 7 ] أوحى اللّه تعالى إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام تقوية لقلبه في البئر : لنصدقن رؤياك ولتخبرن إخوتك بصنعهم هذا بعد اليوم وهم لا يشعرون بأنك يوسف في وقت إخبارك إياهم بأمرهم