من عظم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظان الربوبية . وقرىء « لمن خلقك » أي لخالقك آية أي كسائر الآيات فإن إفراده « إياك » بالإلقاء إلى الساحل دليل أنه تعمد منه لكشف تزويرك وإماطة الشبهة في أمرك . وذلك دليل على كمال قدرته وعلمه وإرادته . وهذا الوجه أيضا محتمل على المشهور
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ
( 92 ) لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها ،
وَلَقَدْ بَوَّأْنا
أنزلنا
بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
منزلا صالحا مرضيا . وهو الشام ومصر
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
من اللذائذ
فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ
فما اختلفوا في أمر دينهم إلا من بعد ما قرؤوا التوراة وعلموا أحكامها ، أو في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته .
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
( 93 ) فيميز المحق من المبطل بالإنجاء والإهلاك .
شرح
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : كان عليه درع من ذهب فأخرجه اللّه تعالى من الماء مع ذلك الدرع ليعرف أنه هو . روي أن بني إسرائيل قالوا : ما مات فرعون ولا يموت أبدا ، ولم يصدقوا بغرقه فألقاه البحر بأمر اللّه تعالى إلى الساحل فعاينوه وأيقنوا بموته . وقرىء « بأبدانك » جمعا إما على إرادة الدروع لأنه كان يلبس كثيرا منها خوفا على نفسه أو على جعل كل جزء من بدنه بدنا كما يقال : شابت مفارقه ووقع بأجرامه ، مع أن المفرق واحد والجرم واحد . قوله : ( وقرىء لمن خلقك ) بالقاف فعلا ماضيا . وقرىء « لمن خلفك » بالفاء وفتح اللام أي لمن خلفك من الجبابرة أي ليتعظوا ببدنك . وذكر في كونه آية ثلاثة وجوه :
كونه آية دالة على كونه مملوكا مقهورا ، وكونه آية اعتبارا أي لمن خلفك ولمن كان على الطغيان ، وكونه آية دالة على كمال قدرة اللّه تعالى لأنه أغرقه مع جميع قومه وما أخرج من الجميع في قعر البحر إلا إياه ، فتخصيصه دليل واضح على ذلك . وذكر الوجه الثالث في قراءة « لمن خلقك » بالقاف ثم قال : « وهذا الوجه أيضا محتمل على المشهور » وهو أن يقرأ « لمن خلفك » بالفاء .
قوله : ( منزلا صالحا مرضيّا ) إشارة إلى أن مبوأ اسم مكان ووصف بالصدق مدحا لهم أي أسكناهم مكانا محمودا . فإن عادة العرب إذا مدحت شيئا أضافته إلى الصدق تقول :
رجل صدق قال تعالى :رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ[ الإسراء : 80 ] قيل :
كان قوم موسى عليه الصلاة والسّلام على ملة واحدة ومقالة واحدة ثم تشعبوا واختلفوا في أمور كثيرة من أمور دينهم قبل البعثة طلبا للرياسة وبغيا من بعضهم على بعض حتى أداهم ذلك إلى القتال تعسفا في التأويل وتعصبا للمذاهب . وما وقع هذا الاختلاف والتشعب إلا من بعد ما قرؤوا التوراة وعلموا ما هو الحق في أمر الدين ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة