أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ
أولى بأن تصلي فيه
فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا
من المعاصي والخصال المذمومة طلبا لمرضاة اللّه . وقيل : من الجنابة فلا ينامون عليها .
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
( 108 ) يرضى عنهم ويدنيهم من جنابه تعالى إدناء المحبّ حبيبه . قيل : لما نزلت مشى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء ، فإذا الأنصار جلوس فقال عليه الصلاة والسّلام : أمؤمنون أنتم » ؟ فسكتوا فأعادها فقال عمر : إنّهم مؤمنون وأنا معهم . فقال عليه الصلاة والسّلام : « أترضون بالقضاء » ؟
قالوا : نعم . قال : « أتصبرون على البلاء » ؟ قالوا : نعم . قال : « أتشكرون في الرّخاء » ؟
قالوا : نعم . قال عليه الصلاة والسّلام : « مؤمنون ورب الكعبة » فجلس ثم قال : « يا معشر الأنصار إن اللّه عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط ؟
فقالوا : يا رسول اللّه نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء . فتلا
رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا .
شرح
( أولى بأن تصلي فيه ) فإن قيل : كون أحد المسجدين أولى بان يصلي فيه لا يوجب المنع من الصلاة في المسجد الآخر فكيف يكون قوله تعالى :لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌعلة للنهي المذكور بقوله :لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً؟ أجيب بأن التعليل وقع بمجموع الأمرين أعني كون مسجد الضرار سببا للمفاسد الأربع المذكورة ، وكون مسجد التقوى مشتملا على الخيرات الكثيرة . فإن قيل : كيف قال تعالى :أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِمع أن المفاسد المذكورة تمنع من جواز قيامه في الآخر ؟ والجواب أن الكلام مبني على التنزل والمعنى أنه لو جاز القيام في مسجد الضرار لكان القيام في مسجد التقوى أحق للسبب المذكور فكيف والقيام فيه باطل ؟ ويمكن أن يقال : أحق ههنا ليس للتفضيل بل هو بمعنى حقيق إذ لا مفاضلة بين المسجدين .
قوله : ( أن يتطهروا من المعاصي ) حمل التطهر على الطهارة من الذنوب والمعاصي لأن أصحاب هذا المسجد ذكروا في مقابلة أصحاب مسجد الضرار وأنهم قد وصفوا بمضارة المسلمين والكفر باللّه والتفريق والإرصاد ، فينبغي أن يوصف مقابلوهم بأضدادها وما ذلك إلا بكونهم منزهين عن الكفر والمعاصي وحمله على الطهارة من الجنابة قبل أن يناموا وعلى الاستنجاء بالماء بعد استعمال الأحجار ليس فيه هذا اللطف . ثم إنه تعالى لما ذكر الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وبيّن أن الحامل لهم على بنائه تلك المفاسد الأربع المذكورة وأنهم يحلفون بالأيمان الكاذبة على أن ليس غرضهم من بنائه إلا الرفق بالمسلمين والمعاونة على العجز عن المصير إلى مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بسبب علة أو حاجة أو ليلة مظلمة أو ليلة شاتية . ثم رجح مسجد التقوى بأمرين : أحدهما أنه بنى أصله وأساسه على التقوى وثانيهما